|
أهلاً بكم في صندوق
القصص
أتمنى
أن يكون اسلوب طرحي للواقع في قصص بلا قيود نحوية
شيء
يرقى لذائقتكم..الراقية
سحابة شعور
كانت تتمنى هذه
الحياة منذ زمن بعيد لكنها مازالت أسيرة بوتقة الماضي والذكريات
المريرة .. تحاول أن تحب الخير لكل الناس لكن ثمة شيء يعيق هذه
المشاعر ..هي أحبت بصدق عائلتها الجديدة زوجها ووالداه وأخواته
وأخوه الصغير (قاسم) الذي كان بعمر أخوها (محمد( لكن مقارنة
بسيطة بين الاثنين تشعرها بالأسى والكآبة ..تتذكر كم كان (محمد)
ذكياً في بداياته الأولى .. كم كان طفلا رائعاً ..سريع الفهم
والبديهة ..وكيف ترتبت الظروف لتعكس تيار الطبيعة وتحرم هذا
المخلوق من أبسط حقوقه في الحياة .. نعم إنهم أخوتها الذين
يفتقدون أساسيات المحبة والتعاون .. قدموا مختلف أساليب التعذيب
البدني والذهني ل(محمد) حتى لا يتمكن من التفوق عليهم بذكائه
وتميزه الدراسي .. ومدح والده له بتلك الجملة(هذا الولد سيعوض
والده) جعل روح الانتقام تتفجر في أعماقهم السوداء.. إما هي
فتحاول مداعبة (قاسم) بين حين وآخر لكنها تتذكر (محمد) فتتوقف
وتخنقها عبرات الأسى والألم على ذلك الطفل المسكين..فتحدث نفسها
بأن محمد أحوج للحنان والحب لأنه حقاَ يعاني من أنيميا العطف
الذي يقدم لكل من هم بعمره..كان الحادث الأخير كفيل بخلق هذا
الشعور وبقوة .. فقد سقط(محمد) من سور منزله حين كان مع
أخوه(فواز) يحاولان قطف بعض ثمرات التوت اليانعة.. وهو الذي فقد
قدرته على المشي بسبب ذلك الحادث..لكنها تتمالك نفسها برغم ذلك
الإحساس .. تقاوم وتتناسى لأن (قاسم) لا يحتاج حبا أو عطفاَ من
أحد لأنه في الحقيقة غارق في محبة وعطف أهله وخصوصية ذلك الحب
ومبالغاته ليست دافعاً للغرابة فهو آخر العنقود.. وزاد الأمر
مبالغة تميز(قاسم) ومواهبه التي أبرزته على أخوته .. قررت (منال
)أخيراَ أن تجلب محمد لمنزلها وتعتني به وتعوضه عن الحرمان الذي
شعر به طوال سنواته السبع الماضية ..لكن ثمة مشكلة وليدة أخرى
وهي زيارات أهل (باسم) لمنزلها بصفته منزل ابنهم الأوسط الذي لا
غنى لهم عن مجالسته وبصمة الضحك والترفيه التي يطبعها على
الأجواء هم بحاجة لها.. وليست الزيارة مشكلة بحد ذاتها لكن رؤية
(محمد) لقاسم تولد نوعا من اللوعة في قلب (محمد) الذي يشعر بعجزه
وعدم قدرته على مجارات من هم بعمره في اللعب والمشي.. ومن هذا
المنطلق بدأت مشكلات أخرى كثيرة تنشأ في هذا البيت الصغير وذلك
بين (باسم) وزوجته(منال).. وبرغم قلب الزوج المحب للخير والمفعم
بالعطف والحنان.. بدأ يخشى على مصير استقراره من هذا الفتى
المعاق.. فقد كان يحيا في رغد العيش قبل ظهوره في حياتهم كما أنه
بدأ يشعر بأن تحركاته في البيت محدودة بسبب التحفظ وعلاقته
الزوجية توشك على الانهيار..لكن محاولته لإقناع (منال) بإعادة
أخوها لمنزل عائلته زاد الأمر تعقيداً فقد شعرت بأنه يكره إسعاد
(محمد) ويكرهها لدرجة عدم التضحية بغرفة من المنزل لأجل طفل
تعتبر نفسها مسئولة عنه تماماً في هذه اللحظة ..لكن (باسم) كان
حكيماَ جداَ في تفكيره فقد وصل لنقطة هي التي ستغير تفكير منال
دون عناء منه ..وبعد أسبوع من تلك المناقشة الحادة .. شعرت منال
بالتعب فتم نقلها للعيادة المجاورة لمنزلها وبين الكشف بأنها
حامل وتحتاج للراحة لثلاث شهور على الأقل حتى يستقر جنينها حيث
إن الحركة تهدد ثبوته .. عندها فقط شعرت منال بأنه يجب إعادة
محمد لوالدته التي لن تقصر في رعايته .. لكنها ظلت تطلب أن يصطحب
أحدهم محمد لتقوم باستذكاره كل يوم كما كانت توصيه بالاتصال عند
تعرضه لأقل مضايقة من أخوته الأكبر منه ..وبهذا عادت لأعماق منال
بذرة الحب والثقة بالآخرين فكان شعورها المهزوز في محبة الناس
مجرد سحابة
معركة تسمى الحب
عبر أسلاك الهاتف في يومٍ دافئ
بدأت أحداث القصة ..عندما كانت (سماح ) تمسك هاتفها لتطلب رقماً
لإحدى صديقاتها ..لكنها أخطأت فرد شخص جهلت هويته فألقت التحية
متسائلة عن أخبار العمل وسلامة الأهل ثم نوت إغلاق الهاتف لتنهي
المكالمة السريعة ..إلا أن ذلك الشخص استوقفها عذراً ..كانت
تحيتها غاية في الرقة والاحترام ..كان أسلوبها عذباً يستشف معالم
إنسانة لم تعتد الكذب أو المراوغة ..كلاً منهما كان يشعر أن
الآخر مألوف بالنسبة له .. وبأسلوبٍ استدراجي لم تعتد عليه (سماح
)تمكن (يوسف) من اختراق أعماقها ليرسم لنفسه لوحة رائعة في
خيالها ..وبعد حوار عابر تمكن (يوسف) من التقاط رقم ( سماح)
وتسجيله في مخيلته , وفي المقابل أقنعها بأخذ أرقام هاتفه , لأن
الناس لبعضها ولابد يحتاج كلاً للآخر في يوم ..بدأ اتصالاته
لمنزلها محاولاً تثبيت وجوده في حياتها وإثبات حبه الذي بدأ مع
أول نغمة صوت سمعها منها ..شيء ما لم يكتشفه تماماً اجتذبه لحبها
..أخبرته منذ البداية أنها لا تريد أن تبدأ علاقة وهمية .. رجته
ألا يأسر قلبها لأنها بطيبة قلبها لا تعرف الكره وتحب كل الناس
..أخبرته أنها تكره أن تعشق شخصاً تعلم أنه لن يكون لها أبداً
..فهذا سيدمر عواطفها ويجرح علاقتها بخالقها .. لكنه وعدها إن
تأكد من طهارة قلبها أن يأخذها زوجة يحترمها ويقدر مشاعرها
..وباستمرار العلاقة التي بدأت رغماً عن ( سماح ) ..حيث بات
تفكيرها مشوشاً وأخذ الإرهاق منها مأخذاً لم تعد تستطيع النوم
ولم يعد للحياة لون في منظورها ..فهي بأحداث ما استجد في حياتها
تخون ثقة أهلها وتعصي شرع خالقها..ضميرها لم يكن نائماً كانت
مشاعرها صادقة مع الله تعشق مصحفها وخالقها وتقدس لقائها مع الله
في كل صلاة ..سنوات مرت لم يتمكن شخص من اختراق ممرات عواطفها
..فقد قاومت كل شاب حاول أن يؤذيها باسم الحب فهي تعلم حقيقة
مشاعر أولئك الناس ..لكن (يوسف) مختلف ..بقيمه و أخلاقه وفضائل
صفاته وبكلماته الحساسة والتزامه بذكر الله بين الحين والآخر
..تمكن من أسر (سماح) في بوتقة حبه.. قرأ على مسامعها شعراً كتبه
ليثبت كم يحبها. أمسكت (سماح ) قلمها لتعبر عما يختلج أعماقها
الرقيقة من مشاعر نحو (يوسف) الحب الذي تخافه وتتمناه لأن صورته
مشوشة غير واضحة المعالم ..فكتبت : كلمات كثيرة تجوب الأفق
البعيد .. وعواطف محمومة بلهيب الشوق .. ودموع تكاد تخنقها
العبرات .. وحب يعشق أن يستنشق هواء الأرض ..حب يريد أن يعبر عن
محتواه بكل صدق..حب سجنه الواقع وحاصره المجتمع..وكبل قيوده
القانون والمنطق .. وما هو الحب سوى إحساس محكوم عليه بالفناء ..
والتحدي يحمل بين ثناياه ضحايا يكاد البؤس أن يحطم مستقبلهم
..أحبك كلمة يضيق بها الوصف .. أحبك كلمة يعجز عن فهمها أكثر
الناس.. أعشقك كلمة تجاوزت حدود الواقع ..لو سطرت الحب كلمات تلو
أخرى لفنيت الأوراق ولم يعد هناك قاموس يستوعب معناها .. لأنه
أكبر من أي معنى .. ولأني أحبك .. أكره أن أخطئ بحقك أو حق نفسي
.. ولأني أحبك لابد أتمسك بمبادئي وقيمي..ولأني أحبك لن أقبل
أبداً أن أعصي خالقي .. فأرجوك تقبل حبي بصدقه وعفويته وتقبل
وجودي برفضي ورغبتي ..أن أرفض شيئاً تطلبه ليس نقصاً في محتوى
الحب أو بخلاً بالأقل إنما هو حباً بك ..وخوفاً على حبنا من أن
يفنى كما فناء القصص الأخرى .. أرجوك دعني أحبك كما أريد
وبالحدود التي يتقبلها عقلي .. وذلك كله من أجل أن يدوم الحب
بصدق.. أقول أحبك وقد لا يكفيني أن أكتبها أو أن أنطقها لكن حدود
عالمي المحيط أقوى من تخطيها .. وأنت في تفكيري حب بلا حدود ..
لأن تفكيري ملك لي بلا منازع فلتكن أحلى فكرة تقطن أعماقي ..
حبيبتك التي نقشت حبك على جدران قلبها الصغير
وللأبد..سماح
استمرت الكلمات المنبثقة من
ثنايا حبيبين هائمين .. يعترف ( يوسف) أنه مرتبط بفتاة أخرى قبل
معرفة (سماح ) ويصارحها بعنف كم يحب خطيبته ولا يستطيع الابتعاد
عنها , وفي المقابل يتعذب لأنه يخونها مع (سماح) .. وكذلك لا
ينكر حبه لكلاهما ..فتبدأ الآلام مشوارها ل(سماح) ..التي أمسكت
قلمها لتكتب : جملة عذابي إنك تعاني آهاتك في وسط صدري وهزت
كياني قبل لا تنطق الآه ينطقها وجداني حتى الخيانة صرت أنا سبب
فيها وأنا الجاني أكره أكون في حياتك عذابك الثاني رغم المحبة
والجراح رغم الألم يعشق صوتك زماني رغم البكا والخوف وطيوف سود
الليالي أجبر إحساسي يبتعد لا تجرحك كثر أحزاني ما أقبل أكون
السبب في دمعة ناتجة من عمق حرماني أنت القمر وأنا مجرد ساهرة
تناظر جمال روحك الهادي أنت السما وأنا نبات يا كيف أبرقى للسما
يا ودادي أنت شروق وآنا غروب يعشق سهادي أدعي ربي وأرتجيه يحفظك
من شر الأعادي وإلا أظلم الليل في سجودي أنادي أقول : الله يرحم
حب ما كان عادي .. تحاول (سماح ) أن تبتعد .. تريد أن تقتل الحب
الذي بدأ ينمو بسرعة رهيبة في أعماقها . . لكن محاولاتها تجعلها
تموت في اللحظة ألف وألف مرة لأن ( يوسف) تمكن منها ليجري حبه في
دمها يتنقل بين أوردتها بكل ثقة .. تحاول الهروب فتبكي بحرقة
تمسح دموعها فلا تستطيع إيقافها ..لقد جعلها تحلم به كثيراً
..أختلط حبه بدمها صارت ترسم معه اللحظات شفافة ساحرة حلمت بحب
مقدس وحياة خيالية بين عشيقين سينتصران لحبهما بقوة ليثبتا
للعالم أن الحب مازال موجوداً ..مازالت هناك قلوب شاعرة
..وأحاسيس إنسانية ثابتة لا تغيرها مبادئ أخترعها البشر .. هي
على يقين أن الحب هبة من الله (لأنك تحب شخصاً بمجرد أن تراه
لمرة واحدة بينما تعجز عن حب شخص استحضرته لتقول سأحب هذا الشخص
)..هي تعلم أنه لابد لها أن تبتعد عن حياته حتى لا يشعر أنها سبب
خيانة قذرة في فكره فيكرهها ..برغم أن حبهما مازال بريئاً كلمات
من القلب إلى القلب دونما تحطيم لأي مبادئ أو أسس ..فكتبت (سماح
): أحبك يا كيف أبقوى الافتراق أموت فيك ومصيري الاحتراق آه من
ليلٍ لا طرى صوتك والعناق أنت لها قبلي وبعدي يا كيف حنا عشاق لا
ما أظنك نصيبي أنت بعيد ونار الأشواق أنت فضا غايب وغيمة فرح مرت
لحظة اشراق يا حلم عانق خيالي وداعب قلبٍ كان له مشتاق ما عاد
فينا نكابر ونلتقي عشاق بقلوب عشاق أنت لها وآنا بعيد , حكم
القدر ما ينصر اثنين حبهم ضاق وبعد تلك الصدمة التي حطمت الكثير
من الأحلام العذرية البريئة تأتي الأحداث لتروي ظمأ الحنان في
عمق (سماح) بترياق الحب كأساً بمرارة الحرمان لتكتشف أن معشوقها
الفريد ومالك أسرار ها ..( يوسف ) الذي دخل أعماقها ليزرع حباً
لم تكن تريده أن يبدأ ..( يوسف) هو نفسه خطيب صديقتها
المقربة(هند) وهو ذاته أخ (وداد) صديقتها في الجامعة ورفيقتها في
السكن ..شعرت أنها تخونهما ..احتقرت نفسها ..أرادت النوم فظلت
تبكي وترثي حالها ..أغرقت وسادتها بدموعها ..أمسكت مصحفها الصغير
باكية حزينة راجية من الله أن يلهمها قوة الصبر لتنسى ( يوسف)
فهي أبداً لن تقبل لنفسها أذية أقرب الناس إليها .. لا تتصور
نظرات (وداد) إليها لو علمت بالأمر ماذا ستقول عنها؟ .. لابد
ستصغر من شأنها ..و(هند) ما ذنبها ؟ .. ما ذنب حبها البريء ؟ ما
ذنب طيبة قلبها وروحها الملائكية الهادئة ؟؟
مئات الأفكار حاصرت مشاعر (سماح)
فأمسكت القلم لتكتب مشاعرها لعلها تستطيع قطع أوردة الحب الذي
رسمته صادقاً ببراءتها لتجده يؤصل خيانة في مكامن ذاتها .. وهي
التي تمقت الخيانة وتكره أذية الآخرين .. كتبت على نغمات موسيقى
دموعها التي انسابت حارقة بصمت : لا تقول الحب آسر .. بكرة
تتركني وتروح لا تقول الهوى يامر .. الهوى كله جروح لا تقول الحب
شاعر .. إن غبت مات دافي الشعور بكرة تشرق مع شمسك .. وآنا
يذبحني الغروب بكرة تشتاق الأماني ..والخيال يحلم يذوب بكرة ترد
ذيك المناظر .. دمعة ووسادة في ليلٍ ما فيه نور حبي يوم أنخلق بي
مهاجر .. يدور عن أصل الحزن بين الزهور ولا إجا غيرك من وين أخلق
مشاعر .. انتهى الحب وسط الصدور حبي ضوا شمعة .. ورياحك عاصفة لا
من تثور أترجاك تطفي بي شموعي .. وأدعي ربي تضوي أيامك سرور. كان
(يوسف) يتعذب بينه و بين نفسه ..ندم أنه بدأ مع (سماح) علاقة تحت
مسمى الحب .. لأنه يحب (هند) وليس مجرد حب بل هو يعشقها ويعبد
حبها .. هي خطيبته الملائكية .. هي روح الحب وحقيقة العشق ..هي
التي ينبض قلبه باسمها مردداً أشعاراً وأغاني ..(هند) هي مقطوعته
الموسيقية الطاهرة التي لم تعزف لسواه .. تسائل في أعماقه كثيراً
.. وعذبه ألم خيانتها ..لم يكن ينوي أن يحب سواها .. لأنه لا
يوجد في كل الكون حب يجرئ على منافسة حبها ..لكن ما ذنب (سماح)
التي أحبته برغبته وسلمته قلبها صفحة بيضاء قرأ أسرارها وكشف
ملفات سرية مغلقة في أعماق فتاة كان الصمت مخلوق في طبيعتها
..أحبته بجنون ..وأحبها مع تعذيب ضميره ..أحبها وهو يريد أن
يكرهها .. لأن (هند) هي حبيبته الوحيدة ولم يشأ تغيير تلك الصورة
لملاكه الفريد .. لا يريدها أن تعرف خطأه لألا تصدم به .. بدا
حائراً معذباً متناقضاً مع نفسه .. يكلم (سماح) باسم حبيب نادر
الوجود.. ويحيا مع (هند) أروع تفاصيل الحب الطاهر النقي ..ظل
يتذكر (سمر) الفتاة اللعوب التي أرادته لنفسها متعة مؤقتة ..
تذكر كيف استماتت في طلبه باسم الحب وهي لا تدل للحب طريقاً
..تذكر كلماتها الفاضحة محاولة استدراجه .. لكنه لم يستسلم ..
كان أقوى من خيانة معبودته (هند) قاوم كل الطرق الدنيئة ..
ليسموا بحبه ..ليحافظ على الشيء الصادق والشعور الساحر في أعماقه
.. لم يشأ تلويث أجواء قلبه ف(هند) هي العطر الذي يشبع روحه
وحبه..لكن (سمر) لم تستسلم بسهولة ..كانت روحها الشريرة تريد
تدمير كل شيء .. لم يكن لذكر الله وجود في أعماقها الخاوية
الحقيرة ..كانت مشاعرها حيوانية خبيثة ..لم تتحمل أن يرفضها رجل
مهما كان ..أقسمت بفتنة جسدها أن تدمر حبه .. حاولت تشويه صورة
(هند) نوارة قلبه ..فعجزت ..فما كان منها إلا أن تستعين بآخرين
من طائفتها ..(بندر) صديقها المقرب لجسدها لا لقلبها ..ذلك الرجل
الذي كلمة (رجل) هي كثيرة جداً بحقه ..لم يكن له ضمير ينبه فيه
الخوف من الله ..لم يجد مانعاً في نفسه من أن يتصل ب(هند)
محاولاً بخبث أن يشوه صورة (يوسف) بكلمات تافهة لم تحمل ذرة من
الصحة ..لكن الله رد كيده في نحره ..فليست (هند) التي تؤثر بها
كلمات عابرة ..من شاب تافه ..لا يعرف قيمة الدين أو الشرف.. كل
تلك الأفكار تراءت سريعة في مخيلة (يوسف) ..لم يعد قادراً على أن
تكون في أعماقه أخرى لأن (هند) أرق من أن يجرح حبها الدافئ ..
ذلك الحب الحنون ..الحب الذي أثبت وجوده ..الحب الذي جعله يشعر
بطعم الحياة ..(هند) حبه الأوحد ..الأول والأخير .. لكنه يتذكر
(سماح) فيمقت اللحظة التي أراد فيها أن يضع لنفسه مكاناً في
أعماقها ..ربما أحبها .. أو قد يكون أشفق لحالها .. فتاة دائماً
تشعر بالوحدة كلما دخلت غرفتها الانفرادية .. تتذكر ماضيها
القديم فتتساقط دموعها بائسة كئيبة ..فتاة سئمت حياتها ..فدخل هو
لعالمها وحاول تحريك مشاعرها وأن يجعل هدوئها ثورة حب بركانية
..كانت تنتظر القدر أن يبعث لها قلباً يحتوي مآسيها.. بعد أن
عرفت (سماح) أن (يوسف) هو خطيب (هند) تثبتت يقيناً أنه لم يعد
لحبها وجود في قلبه ..لأن (هند) ملاك لا يمكن استبداله ..وبما
أنها ملكت ( يوسف) بقلبه وروحه وبينهما قصة حب يؤيدها كل الكون
لأنها بدأت ( بسم الله الرحمن الرحيم ) في عقد قدسته ملائكة
السماء .. كان لابد لوجودها الوهمي أن ينتهي ..فقررت أن تدوس
قلبها البائس ..وتقتل حبه الزائف ..الحب الذي يمقته الله ويمقته
الناس لأنه لن يكتمل ..فلن تستطيع رؤية (يوسف) لأن الحب لا يكفي
لأن تدمر مبادئها وقيمها ..في البداية حلمت وأوهمت نفسها أنه
قادم لينتشلها من عالمها الكئيب لتبدأ حياة طاهرة نظيفة ..لكنها
الآن متيقنة أن سعادته مع (هند) ..وهي لأنها تحب (يوسف) لن تحاول
أبداً أن تؤذي حبيبته أو تجرح شعورها ..ولأنها تحبه ستتركه وتلعن
عواطفها..لتبارك حياته مع حبيبته الوحيدة ..لابد ستتألم ..ستبكي
بحرقة ..ستندم لضعفها أمامه ..ستمقت صراحتها التي جعلت منها
تمثال عارٍ أمام (يوسف) فقد تمكن من معرفة كل ما تتمنى مع فارس
أحلامها الذي لم يأتي وربما شعرت بعد هذا الحب أنه لن يأتي أبداً
..فهي تشعر أن الحب أسطورة قديمة ..لا يمكن لها أن توجد على أرض
الواقع..فكتبت : لا تقول أمس المحبة ..شمس وغطتها السحاب أنت قمر
مع شمسك .. وأنا نجمة ضايعة وسط الضباب أنت دفا وأهي غطا .. وآنا
بعيد كلي اضطراب لا تقترب أنت لها ..خلني هنا بيتي العذاب تحبها
وأحبها مثلك أنا ..لا تجرح عواطفها وخلني سراب أهي الملاك وأنت
شريك أعماقها ..وأنا مجرد ساهرة كلها عذاب لا تخطي بحقها لا تجرح
حبها..أهي الحقيقة وآنا السراب
تبدأ عواطف (سماح) بالاضطراب
..فور أن بقيت وحدها في غرفة النوم ومعها (وداد) بدأت تخجل من
النظر إلى عينيها الواثقة ..(وداد) دائماً تتكلم عن (هند) و(
يوسف) ..كثيراً ما أبدت استيائها من (سمر) لمحاولاتها الدنيئة
حتى تفرق بين قلبين يعشقا بعضهما بأعماق طاهرة .. في هذه اللحظة
شعرت (سماح) وكأنها (سمر) أخرى ..مأساة جديدة تقف حاجزاً بين
هذين القلبين الذين يعانيان الأمرين ليبقى حبهما خالداً ..شعرت
أنها تريد قتل ما يسمى (حب) ويسكن عالمها ..تمنت الموت على أن
تكون سبباً في تدمير سعادة (هند) ..بدأت (وداد) الحوار محاولة
تغير الصمت الذي استمر طويلاً : ( سماح , وكأنك نسيت أن اختبارات
نهاية العام قد بدأت , فأظن شيئاً آخر يشغل تفكيرك..هيا صارحينا
بالجديد .. هل هناك أخبار تغير جو الاستذكار الممل ؟؟ أتحفينا
برواياتك الخيالية التي ما إن اعتدنا سماعها بخلتي بها علينا)..
فردت (سماح) بألم : ( في الحقيقة أنوي سحب ملفي من الجامعة )
فردت (وداد) مذهولة من هذا الخبر : ( هل جننتِ يا سماح ؟ ..لم
يكن بتوقعي أبداً أن أسمع هذا التفكير منكِ أنتِ بالذات ..القبول
بالجامعة حلم كل فتاة .. وأنتِ لم تفشلي في الدراسة أو يعترض
أهلكِ عليها ولا تملكين سبباً واحداً لإقناعي بهذا القرار التافه
..عودي لرشدكِ ولا تتعجلي الأمور ..إن كانت هناك مشكلة صارحيني
..ألم نعتد أن نكون معاً في السراء والضراء ) ..لكن (سماح) لم
دموعها وأخذت تبكي بحرقة ..ضمتها (وداد) لصدرها محاولة تهدئتها
..لكن (سماح ) هربت من أحضانها لتنزوي بعيداً في زاوية من فراشها
وهي تقول : ( أنا لا أستحق صداقتكِ يا وداد ..لا أستحق ثقتكِ
..لا أستحق أن أكون معكِ في مكان واحد ) تساءلت (وداد) عن السبب
لكنها لم تجد رداً سوى بكاء متواصل وكأن (سماح) فقدت أعز ما تملك
..بكت كثيراً حتى تمكن منها التعب فاستسلمت للنوم ..فاتها اختبار
مهم لأنها مرهقة جداً .. نقلت لعيادة الجامعة ليبين الفحص ضعفاً
عاماً سببه سوء التغذية وقلة النوم ..مجرد أن تتذكر(سماح) لحظات
حبها مع(يوسف) الذي لا يفارق مخيلتها تمقت نفسها تنوي أن تقتل
روحها لأنها غير جديرة بالحياة ..(وداد) لم تكن لتتخلى عن
صديقتها في محنتها ..حاولت الاهتمام بها ..لم تسألها عن سبب
معاناتها حتى لا تسوء حالتها ..لكنها أيقنت أن هناك شيئاً كبيراً
جداً يؤثر على حياة (سماح) ..لأنها دائماً كانت مصدر الحياة في
هذه الغرفة وطالما كانت تستوعب متاعب رفيقاتها وتهدئهن في لحظات
ألمهن وتحاول حل مشكلاتهن بكل رقة وعفوية .. في نهاية الأسبوع
عادت كلاً من (وداد) و(سماح) من السكن الجامعي لمنازلهن ..كانت
(سماح) بائسة وحزينة ردت على تساؤل والدتها أن السبب هو ضغط
الاختبارات بينما أعماقها تحترق بصمت ..في مساء الخميس دعت
(وداد) (سماح) لمنزلها وألحت في طلبها فوافقت (سماح) خشيت أن
تغضب منها (وداد) ..وفي منزل (وداد) كانت (هند) التي استقبلت
(سماح) بكل رقة وبأسلوبها الملائكي الساحر ..كانت (هند) تحمل
رسالة بيدها في وسط الحوار طلبت من (سماح) أن تقرأ الرسالة وتبدي
تعليقها ..فتحت (سماح ) تلك الورقة وقلبها يخفق بشدة لأنها تعرف
أنها رسالة ستُقدم بعد لحظات ل(يوسف) ..كان مكتوباً فيها : بسم
الله الرحمن الرحيم حبيبي الوحيد ..حبي الأول والأخير ..سلام
معطر بروح النرجس والسوسن ..عشق مغلف بإطار الفل والريحان ..شوقي
أكبر من كلمات الشوق ..وحبي لا تكفيه قواميس الحب ..لا أدري هل
أحبك .. أم أنا هائمة فيك ..يا رمز الإخلاص الخالد ..يا تمثال
الوفاء ولحن الصدق .. ومثلي الأعلى في الحياة .. وردة أنا بين
يديك لك أن تفعل بها ما تريد إن شئت قطفت بتلاتها واحدة تلو
الأخرى .. لن أعترض .. لن أقول لا تجرح أعماقي فهي غارقة في
أعماقك ..فمتى يحين لقاؤك .. خطيبتك وحبيبتك الوحيدة ..هند. هذه
الكلمات قطعت أوردة متينة في أعماق (سماح) ..هذه الكلمات تقول
حقيقة ثابتة هي : أن هند ليوسف ويوسف ل هند .. و(سماح ) هامش في
حياة (يوسف) والهوامش لا تملك أن تأخذ مكان الأصول الرئيسية
..(سماح ) تمنت ( يوسف) وعشقت أعماقه الصادقة وقيمه النادرة
وإنسانيته المعبرة ..تمنت لو لم يكن هو ذاته خطيب حبيبتها (هند)
تلك الملاك الحساس الذي تغمره الطيبة ويبذل في النوال بلا مقابل
..تمنت لو كان وحيداً ..تمنت لو كانت أعماقه تنتظر من يسكنها
لتكون هي الوحيدة .. لكنها لن تستطيع قلب الواقع .. ولن تتمكن من
تحقيق أي شيء من أحلامها التي اعتبرتها لحظات تافهه .. تمنت أن
تموت وتتلاشى ..سلمت (سماح) الرسالة ل(هند) وهي تحاول رسم بسمة
صادقة ..لكن دموعها كانت تريد أن تصرخ لتقول ل ( هند) : (أنتِ
أروع ما يمكن أن أقدمه لرجل عشقته بكل ذرة من وجداني ..أنت فقط
تستحقين أن أضحي لأجلك بأجمل حب في حياتي ) .. في ذلك المساء رن
الهاتف .. كان المتكلم (يوسف) ردت (سماح) بشوق معشوقة لمعشوقها
الوحيد..وفي طيات الكلام تغيرت نبرة صوت (يوسف) فقد قرر أن ينهي
حب (سماح) قال بصوتٍ لا يريد أن يكمل ما بدأ : سماح اعلمي أنها
آخر مكالمة .. لن نستطيع أن نستمر ..أنا وهم عابر لن أكون لكِ
أبداً لأني أحب هند ولن أتخلى عنها ما حييت ..اعلمي أنكِ أول
وآخر حب يدخل حياتي في وجود هند ..لأني لن أخونها أكثر لا معكِ
أو غيرك.. أرجو أن تهتمي بنفسكِ ودراستك..حاولي نسياني لأني لن
أستطيع تحقيق أي شيء تتمنين حدوثه .. أرجو أن أكون ذكرى جميلة في
حياتك..لم تبقى سوى لحظات لأنهي المكالمة الأخيرة ولن تسمعي صوتي
بعدها أبداً .. إن كان لديكِ ما تريدين قوله فليكن ذلك مختصراً
.. في المقابل ..لم تتحمل (سماح) هذه النهاية .. لم تستطع مقاومة
هذا الأسلوب لوداعها ..أرادت أن تبكي بكل ما أوتيت من قوة .. لا
تريد لأجمل حب أن يموت ..أخذت دموعها تنساب بحرارة على وجنتيها
..قالت له : لم أكن أعلم أن دموعي هي أرخص شيء بالنسبة لك .. فرد
(يوسف) : بل لأني لا أريد أن أضعف أمامها أفضل إنهاء المكالمة
سريعاً .. ردت (سماح ) : بعد كل هذا الحب تحدد اللحظات لأتكلم
معك ..وتعلن النهاية بكل برود ..لم أكن أتوقع منك هذه المشاعر
..كان حبك أرق من نسمات الهواء ..لماذا جعلتني أحبك؟ ..فرد بما
لم تتوقعه أعماق ( سماح) : لقد كان خطأ ..ندمت عليه ..فردت غير
قادرة على استيعاب المعنى : أبهذه السهولة تمكنت من نطقها ..بعد
كل كلمات الحب التي كنت ترسلها من قلب لا يعرف أن يجرح ..من قلبك
الذي تخيلته أرق قلب في أعماق أروع رجل ..الآن تقول بأني مجرد
خطأ ..أنا خطأ ندمت عليه .. إذاً لم يكن حباً بل كان مجرد خطأ
..أشكرك على ذلك الشعور النبيل حبيبي الغالي ..يا حبي الكبير ..
وانتهت المكالمة و(سماح) غارقة في دموعها ..تبكي أجمل لحظات
حياتها ..فأمسكت قلمها لتكتب : حبيبي لا تقسي علي .. عذابي
يكفيني دنيتي كلها ظالمة ..حطمت فرحة سنيني لا تطري ماضي كله
..ندم ساكنٍ فيني إن عزمت تتركني ..تروح وتخليني آنا هنا أنتظر
صوتك يوادعني..من أول لقا بينك وبيني أعرف أني ما يوم حبيت.. و
انتظرت حبيبي يجيني كل ما طرق الحب بابي .. عرفت أن الحزن لا
فيني من أول خفقة حب في وسط صدري ..الآه تبدا بشراييني لا تحسبني
مجرد عاشقة .. آنا الحزن متأصلٍ فيني كلما تقترب مني وأعشقك ..
أحس الوداع خوفٍ يناديني الخوف قبل المحبة.. ونبضات قلبي تعنيني
أحبك .. تحبها ..والدنيا تكرهني وما تبيني يا كيف أحبك وأنت لها
..ذيك القمر..وآنا ضايعة بهمي وحنيني بكرة تسافر وأهي معك ..وأنا
هنا وأنت ناسيني اليوم أحبك بكرة وبعده ..الي بيجي كافي يقتل
شعور الحب فيني حبيبي لا تقسي علي .. عذابي يكفيني وإلا عزمت
تتركني تروح وتخليني ما راح أعترض وإلا بردت أطرافي..حشى ما أقول
حبيبي دفيني وتجمد دمعتي بعيني وأنتهي ويموت حبي وحنيني. مرت
الأيام بمرارتها قاسية مليئة بالدموع والسهر ...حاولت (سماح ) أن
تبتعد قدر استطاعتها عن (وداد) التي تشبه صورة (يوسف) لأنها أخته
الوحيدة ..أرادت الهروب من كل ما يذكرها به .. لم تعد تريد أن
ترضي نفسها أو تشفق على قلبها .. لأنها كرهت مشاعرها .. وكرهت
أعماقها ..واحتقرت قلبها البائس الذي تشبع بالخيانة ..لم يبقى من
الحب سوى فتات وردة جافة .. لم يبقى من تلك الكلمة سوى إطار
زجاجي مكسور لا يمكن لشظاياه أن تتجمع ..ابتعدت بعد أن خسرت
معركتها الأخيرة ..خسرت عذرية روحها ..خسرت نقاوة
مشاعرها
أمسكت القلم لتكتب الرسالة
الأخيرة : بسم الله الرحمن الرحيم يصعب علي أن أكتب نهاية لما
يسمى (حب) ..لأني فعلاً صرت أمقت هذا الشعور وأحتقر ه ..لأني من
أجلك يا (يوسف) خنت ثقة أهلي ..من أجلك تجاهلت العالم لأحيا معك
لحظات معدودة ..لم يكن خطأي لوحدي كنت شريكي الأول في ذنبي ..لكن
العالم لن يمسك بسوء ..وأنا قد أفقد كل مقومات وجودي ..فقط لأني
قلت : أحبك .. شعرت بعواطف غريبة تشدني نحوك بقوة ..تعذبت كثيراً
من أجلك ..سهرت ليلي باكية كئيبة ..صارت دموعي روتيناً لا
يفارقني كلما بقيت وحدي ..هل تعرف أنك دمرت شعور الحب في أعماقي؟
..لم أعد أشعر أن هناك رجلاً يستحق أن أقول له أحبك .. لأنه
سيتركني ..ويرحل ..مثلما رحلت أنت ..أكره أن أكون وردة يستنشقها
المارة ثم يلقونها بعد أن يخف رحيقها لتكون تراباً تدوسه الأقدام
الحاقدة ..لست رخيصة لتلك الدرجة ..ضعفت أمامك ..لكن ذلك درس لن
أنساه ..وتجربة علمتني الكثير ..علمتني أن أحقد وعلمتني أن أكره
..لا يمكنني أن ألوم الناس أو أكرههم إنما أكره ذاتي ..لأنها
ضعيفة ..أكره مشاعري لأنها صادقة ونقية .. سريعاً ما تتفتق جراحي
..وكثيراً ما تنزف دمائي في أعماقي ..تمنيت ألا أخطئ ..لكني
أخطأت بحقك وحق نفسي ..فلتعذرني ..لأني وإن احتفظت بحبك صورة ضد
الخدش ..فصورتي الحقيقية مرآة محطمة أمام نفسي ..إلهي وكيف أدعوك
أن تغفر ذنبي وأنا أذنب في اللحظة ملايين المرات .. إلهي كيف لي
جرأة أن أرجوك لتعفو عني وأنا غارقة في خيانة نفسي .. إلهي أرجوك
أن تمنحني هدايتك ..فليس لي سواك يا الله ..أنت تعلم ضعفي عن
قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها وما يجري فيها من المكاره على
أهلها.. على أن ذلك بلاء ومكروه قليل مكثه يسير بقاؤه ..قصير
مدته.. فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها وهو
بلاء تطول مدته ويدوم مقامه ولا يخفف عن أهله.. لأنه لا يكون إلا
عن غضبك وانتقامك وسخطك وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض يا
سيدي فكيف بي وأنا عبدك الضعيف الذليل الحقير المسكين المستكين
..يا إلهي وربي لأي الأمور إليك أشكو ولما منها أضج وأبكي
..لأليم العذاب وشدته أم لطول البلاء ومدته .. الخ.. (يوسف) إذا
كنت فعلاً قد شعرت بالحب اتجاهي في لحظة بصدق ..كن على يقين بأني
ادعوا لك بالتوفيق مع (هند) فهي جوهرة نادرة الوجود ..حافظ عليها
..لتكون الأصل الذي لا يتغير ..وأنسى بأني دخلت حياتك ..اعتبرني
حلماً استيقظت منه ولا تنوي أن تراه ثانية ..لأني أقل من أن
تبقيني في أعماقك الطاهرة ..لأني أخطأت باستسلامي لحبك..نعم لقد
هُزمت وخسرت معركة تسمى الحب .. تسمية غير جديرة بنفسها ..الحب
الوحيد هو الذي يربط العبد بربه .. وكفى بتلك نهايةً.. أتمنى أن
يجعلها الله في ذاكرة النسيان لألا تكون نهاية وجودي بين الناس
.. فلو انحنى رأسي .. تأكد بأني سأدمر نفسي ..بدلاً من أن
أحبك..لأن حبك لو كان أداة تدمير لي ..سيجعلني شيئاً آخر ..لو
ظلمني المجتمع لأني أحببتك لأنك أخطأت وأوهمتني بحبك ..ستكون أول
شيء يدفعني لقتل نفسي ..لأن الموت أهون من الحياة بلا كرامة.. لن
أؤذيك حبيبي لا تخف لأني حتى أضعف من أن أتسبب في أذية حشرةٍ
باتت تشبهني في حبي ..لتعرف كم أمقت نفسي ..سأكره الرجال فلم تعد
هناك صورة تستحق أن تبقى بعدك في مخيلتي ..أنت حبيبي الذي لن
يحتل رجل آخر موقعه من خيالي ..لأنك الأروع..أنت خيال عابر ..لا
يجرح كرامة (هند) لأني أول من يحترم حبيبتك الوحيدة ..أحببتك
وسيظل حبي مادمت تحيا سعيداً مع زوجتك ومادمت أنا في مأمن من حبك
..وبعيداً عنك..فلتبقى الذكرى الأنقى .. وداعاً للأبد.. وأدعوا
الله أن يرحمني ..لأن رحمته هي غايتي فليس بين البشر من سيفهمني
أو يخفف ألمي ..أو يستشعر معاناتي ..أهنئك حبيبي لأنك أخذت دور
البطولة ..اخترقت أعماقي لتحفر وجودك بأداة حادة ..لا يغيب أثرها
ما دام هذا الجسد على قيد الحياة ..أنت تركتني عذراء جسد..في
نقطة يعتبرها الناس نقطة شرف ..لكنك جرحت عذرية قلبي وعذرية
أفكاري وجرحت روحي التي ستبقى تحبك. الفتاة التي صارت لعبة بيد
القدر .. وضحية معركة تسمى الحب وانتهت الرسالة الأخيرة ..مع
إعلان الوجود تتويج (هند) عروساً ملائكية في فستان زفاف أبيض
كلون الفل .. كانت ليلة عمر خالدة ..لحظة انتصار الملكة ذات
الروح النقية ..تلك التي كانت أميرة شفافة الروح ..وما تزال
صاحبة اللمسات المخملية .. في هذه الليلة تتعانق الأرواح ..روحين
صارعتا بكل قوة لتتحقق هذه اللحظة ..وقفت (هند) تشع بياضاً بنور
القمر ..لتقول بأعلى صوت ودون أن تنطق بتلك الجملة قالتها لكل من
حاول أذيتها أو تدمير حبها ل(سمر) و(بندر) والكثيرات اللاتي
غيرتهن دفعت نفوسهن المتسخة بقذارة الخبث أن يحاولن تشويه ذلك
الحب ..قالت (هند) بكل صمت : ( لم تكونوا سوى حشرات تافهة لم
تؤثر على شموخ حبي فلتنتهوا بما كنتم تتمنوا أن يكون ضدي..ولن
أستطيع أن أسامحكم لأنكم لا تستحقون ذلك لأني أخذت أذيتكم مقابل
الحب والثقة التي أعطيتكم )..زُفت (هند) ل(يوسف) في ليلة قمرية
على نغمات موسيقى الانتصار ..لتموت أعماق (سمر) وتتكسر نظراتها
البائسة بذل وهوان نواياها .. في تلك الليلة كانت (سماح) في
مقدمة المدعوين في أبهى حُلة ..في فستان أحمر ..رغم أن أعماقها
تحترق بلهيب الذكرى ..وبرغم أن روحها ضائعة لا تجد المأوى ..برغم
دموعها المح**** في عينيها ..بيدها زفت (هند) لتعانق(يوسف)
..وباركت ذلك الحب من أعماقها ..لأن قلبها لا يعرف الحقد .. لا
يجرؤ على أذية الآخرين .. لأنه مشبع بالحب ..وحمل يوسف عروسه بين
ذراعيه.. ليرحلا بعيداً عن أنظار الناس ..في أمسية حالمة ستطبع
في ذاكرة الزمن
ثمن التضحية
جلست (نرمين)على مقعد مكتبها
المتواضع في الزاوية البعيدة من غرفة المعلمات وصارت نظراتها
تتأمل قرار النقل الذي تحتضنه أناملها فقد انتظرته أكثر من سبع
سنوات , لكن بدت دقات قلبها مضطربة وخائفة من المصير الذي
ينتظرها مع أُناس جدد لم تتأقلم معهم ولا يعرفونها تماماً وهي
هنا في هذه المدرسة المتواضعة ثبتت وجودها وحضورها سواء في نفوس
زميلاتها المعلمات أو حتى غالبية الطالبات لاسيما الاحترام
الناجم عن التقدير والإعجاب ,لكن يقطع حنين قلبها لكل ما اعتادت
عليه تردد صوت المديرة التي منذ رؤيتها وحتى هذه اللحظة لم
تمنحها سوى السخرية واللا مبالاة بالرغم من مجهودها الكبير الذي
تبذله إذ هي وحدها أشرفت على تدريس تلك المادة لكافة مراحل
الثانوية ودون أي اعتراض أو تسيب وبالرغم من كل ذلك بدل أن تُشكر
تقبلت العقوبات المتكررة بلا سبب ولا مبرر سوى أن المديرة لا
تحبذ طيبة قلبها ونبل أخلاقها ومحبة الكل لها , وفي المقابل كانت
معاملة الإداريات لها لاتقل رداءة عن معاملة المديرة , وتراءت
أمام عينيها لحظة أن مرضت وطلبت أيام معدودة لإجازة اضطرارية
فرفضت المديرة الطلب بكلمات متعجرفة توحي لطبيعة أصلها الذي يوضح
أن ثباتها في مركزها لم يوثقه سوى (الواسطة), وأيضا أخذت بعين
الاعتبار ذلك الطريق الذي تقطعه كل يوم من منزلها إلى منزل أهلها
الذي ليس قليل المسافة لتودع طفليها في كنف والدتها ومن ثم تواصل
سيرها في تلك السيارة باتجاه مقر وظيفتها بالمدرسة , كانت تكلفة
الوقود تستهلك ما يقارب نصف راتبها ,وكذلك تأخرها في العودة
للمنزل بعد الظهر يسبب لها الإحراج اتجاه واجبها نحو زوجها
القادم مرهقاً من عمله , كان كل شيء يدفعها للهروب من هذه الحياة
الصعبة إلى أقرب منفذ تسكب فيه معاناة السنين ولو على الأقل تجبر
شيئاً من جروح كرامتها النازفة ظلم "الإدارة"بأكملها عليها,
والحل بين يديها في هذه اللحظة وهو أن تقبل قرار النقل لمدرسةٍ
تجاور منزلها, لقد كان العرض مغرٍ يوفر عليها كثيراً من الجهد
والوقت والمال. بعد لحظات شرودها وقرار النقل ,رن الجرس لتنهض مع
دفتر تحضيرها المرموق متجهة برشاقتها وأناقتها المعتادة نحو
الفصل الثاني الثانوي لتشرح درساً يكلفها الوقوف ساعة أمام غبار
السبورة وفي منتصف الشرح سقطت (نهى )عن كرسيها على الأرض , لقد
لاحظت (المعلمة نرمين ) أن الطالبة (نهى) كانت متعبة من بداية
الحصة , فأسرعت نحوها والتقطتها عن أرضية الفصل الصلبة و المغبرة
وبسرعة أشارت لإحدى الطالبات بإحضار قنينة ماء من مقصف المدرسة ,
كان من عادت المعلمة (نرمين) تدارك الحوادث الطارئة لمعرفتها
الشاملة بالإسعافات الأولية , لكن (نهى) لم تفتح عينيها لقد
حاولت معها (نرمين) بكل الوسائل فكان هذا مما زاد خوفها حيث
أسرعت لمكتبها وخطفت "الجوال" من حقيبتها واتصلت بالإسعاف ثم
توجهت للإدارة لإعلامهم بحالة (نهى), لقد ضجت المدرسة بحالة من
الفزع والهستيريا حتى إن صديقات وأقارب (نهى) استسلمن للبكاء
وجاءت والدتها منهارة للمدرسة بعدما أخبرتها (نرمين) بكل هدوء أن
ابنتها متعبة قليلاً , وصلت سيارة الإسعاف وكان من واجب المدرسة
أن ترافق (نهى) إحدى المدرسات للاطمئنان عليها فتسلمت تلك المهمة
(نرمين), كان القلق يسلبها عقلها وتتموج في عينيها دمعة محبوسة
عن السقوط وبعد عناية مكثفة من قِبل ممرضين وممرضات متمرسات وعت
(نهى) لتهمس في حالة الشبه غيبوبة باسم (نرمين)المعلمة التي لها
كمٌ وافر من الإعجاب اللامنتهي في قلب (نهى), لقد كان الموقف
مؤثراً حتى سقطت تلك الدمعة المحبوسة في عيني (نرمين) وقالت بكل
حنان وكفها تحتضن كف (نهى) المستلقية على سرير المستشفى : (
حبيبتي (نهى) أنا هنا لا تخافي ), وبعد أن اطمأنت (نرمين) على
طالبتها عادت للمدرسة وكان الوقت يشير لقرب انتهاء الدوام فطمأنت
الطالبات والمعلمات ثم أسرعت وأعدت حاجياتها وخرجت للسيارة التي
تنتظرها , وبعد ذلك الحادث عكفت (نرمين) على زيارة (نهى) كل يوم
في المستشفى حتى بعد ثلاث أيام تحولت الزيارة لمنزل(نهى) ,لقد
كان سبب الحادث مشكلات أسرية أدت لسوء تغذية (نهى) وتذمر حالتها
الصحية و النفسية وقد حاولت (نرمين) بكل الطرق أن تقف دون ازدياد
الأمر سوءً فنصحت أم نهى بالصبر والتنازل حتى لا تتضخم المشكلات
بينها ووالد نهى وما إن تمكنت من تهدئة الوضع في منزل (نهى)
وعودت (نهى) لممارسة دورها كطالبة, حتى كان قرار النقل قد ألغي
لتأخر توقيع الموافقة , فجلست (نرمين) نادمة متفكرة كيف أن دفعت
ثمن التضحية من أجل الآخرين عناءها الذي لن ينتهي , لكن فاجأها
أن زميلاتها المعلمات توجهن نحوها لتقول المعلمة (كوثر) نيابة عن
الجميع: ( نرمين مكانكِ هنا بيننا حيث من يقدركِ ويحبكِ ونحن
أولى بتضحياتكِ من الآخرين وإذا كنتِ تعتقدين أن تغيير المدرسة
سيقطع سلسلة تضحياتك تكونين مخطئة لأنك مثال التضحية ), فعرفت
(نرمين) أن إلغاء النقل رحمة لها من مصير كانت تجهله و طريقاً
حائلاً دون فقدان من يحبها و يقدرها من معلمات وطالبات , لأن
قدرها أن تحيا من أجل التضحية .
عام 1999
نهاية منيرة
جلست (منيرة ) على مكتبها في
تلك الليلة الشتوية الباردة وتأملت
النوافذ والبرق
يضيئها لتتوهج لحظات ثم تظلم من جديد وكان يهز
مسامعها
صوت الرعد حيث كانت متيقنة من أن عاصفة مزعجة تهب
في
الخارج , كان بداخل صدر (منيرة) بركان أقوى وأكبر من
العاصفة ..تأوهت لحظة وهي ترخي رأسها لتحتضنه كفاها ,
تساقطت
خصلات من شعرها الكستنائي على وجنتيها فلمحت
الشعرات البيضاء
التي بدأت تنتشر , لم تكن كبيرة في السن
وحتى أنها لم تكمل عقدها
الثالث كانت لا تزال فتاة وحيدة
ليس معها من يشاركها الحياة , في
هذه اللحظات لحظات
تأملها وشرودها عندما تكون وحيدة على مكتبها
تتأمل
الأوراق والنوافذ والكتب التي ملأت رف المكتبة والأرائك التي
تسكن زوايا تلك الغرفة والباب الخشبي المغلق ..عندها
تشعر بأنها حقاً
وحيدة وبائسة وأن غبار الزمان قد تراكم
عليها وأنها مثل التحف المُغبرة
على أعلى رفٍ فوق المكتبة
, ومثلما هي الغرفة مظلمة لا تضيئها
سوى أبجورة القراءة
مثلها ظلام أعماق (منيرة) , لقد مرت السنون
على عجل ولم
تمهلها وقتاً لتفكر وتقرر كان كل همها الدراسة
والمستقبل
وفعلاً أكملت دراستها الثانوية ورفضت (كمال) ابن الجيران
الذي طلب يدها للزواج , وواصلت تعليمها الجامعي ونالت
شهادة لا
يستهان بها في مجال طب الأسنان ورفضت (فيصل )
ابن خالتها من
أجل أن تنال تلك الشهادة وبعدما حصلت
عليها تقدم لها (محمد) أخو
صديقتها (منى) لكنها رفضت
لتستقر في وظيفتها , وهاهو (كمال) تزوج
من الممرضة
(رزان) وأصبح أباً لثلاثة أطفال , و (فيصل) تزوج (مها)
معلمة الجغرافيا وأنجبا طفلة رائعة , و(محمد) تزوج معلمة
الفيزياء
(سلوى) وأنجبا طفلين جملين , وظلت (منيرة )
وحيدة بعدما عُرف عنها
كثرة الرفض والتكبر على من يطلبها
للزواج , إنها دكتورة الآن وإن لم
يكن لها نصيب في الحب
سيتقدم لها البعض من أجل (الراتب) فمصاريف
الحياة كثيرة
والرجل بحاجة لمساندة المرأة , لكن بعد رفضها ل
(سمير)
ابن العائلة الفقيرة , حيث صارحته بلا خجل بأن
الفروق الاجتماعية
والوضع المادي يضطرها للرفض لأنها لا
تحتمل العيش مع رجل تشعر أنها
من يصرف عليه , كانت
عباراتها قوية جارحة وعميقة لكنها حقيقة ذاتها,
لم تصبر
كل هذه السنوات وتجمد عواطفها كقالب ثلج حتى تحرقه
مرارة
الحرمان فقد كانت رغبتها تختلف عما يفرضه الواقع
فهل ذنبها أنها تريد
الاستقرار في كنف رجل يرعاها دون أن
يحتاج لراتبها الشهري؟ , كان
الحب الذي تريد أن تفجر
بركانه من بين ثنايا قلبها كبير جداً عاصف
ودافئ حنون
وشفاف عذري بريء ..لم يكن لديها الوقت لتحب فالدراسة
سرقتها حتى من أن تنبثق عواطفها الخاصة باتجاه أي رجل ,
كانت
تحب الكل والكل يحبها لكن لم يكن للرجل نصيب في
قلبها , والآن بدأت
تفكر هل فات قطار العمر دون أن تدركه
وهل ستظل طيلة عمرها
وحيدة مسجونة بين المرضى وظلام
المكتب؟؟ , إن بداخلها رجل
كالحلم تبني معه حياة حالمة
وشفافة.
أغمضت عينيها فوجدته أمامها فتحت تلك العينين
الناعستين الخضراوين
لترى (عبد الله) وبيده وردة حمراء
أهداها لها مع قبلة في وسط
جبينها , وقال لها بصوتٍ حاني
: (كل عام وأنتِ بخير نوارة قلبي يا
منيرة ), في هذه
اللحظة تتدفق السعادة في الشرايين الباردة ويدفئ
القلب
العذري ليبدأ في المحبة والحياة وتتلون (منيرة ) بدلاً من
الدكتورة
الرزينة فتاة رشيقة وشقية جداً تأخذ الوردة في
أحضانها وتلتف حول
نفسها بسرعة و هي تضحك كما طفلة في عيد
مولدها الأول والفرحة
الغامرة مثل نسمات الرياح التي
أدارت الفستان الكُحلي على خصر
( منيرة) الناعم وهي ترقص
فرحاً..و (عبد الله) يراقبها مبتسماً ثم
يوقفها ليمسك
يدها الناعمة ويرافقها لقضاء أمسية جميلة على
شاطئ
البحر..زوج وزوجته في أمسية رومانسية على الشاطئ ,
هكذا
كانت ليلة عيد ميلاد (منيرة) في السنة التاسعة
والعشرين من
عمرها , عشيقين يتسامران ويتبادلان أطراف
الحديث والذكريات ,
والبهجة تملأ أعماق كل منهما ليحمد
الله كم أنه أكرمه بما وهبه شريك
الحياة الأمثل ..لكن
يقطع تلك اللحظات صوت الرعد الذي عصف بالغرفة
المظلمة
لتفتح (منيرة) عينيها فزعة بعد حلم كاد ينسيها مرارة الحرمان
الذي تعيشه لحظة بلحظة.
كانت لا تزال جالسة
على مكتبها ولم يكن هناك وجود ل(عبد الله)
الفارس المنقذ
وهي لن ترضى بمن هو أدنى منها سواء في الفكر أو
المادة ,
ولذلك أحبت أن تعيش الحياة بكل ما فيها مادامت الأمور ليست
بيدها و أن البحث عن شريك لحياتها ممنوع على مثلها ,
بدأت تسلك
سلوكاً آخر لم تعد (منيرة) الفتاة الخجلة التي
تتحاشى الإكثار من
الحديث مع الأطباء والرجال بصفة عامة
, بدأت الضحكة المدفونة تُسمع و
تتردد في أرجاء المستشفى
, ومرت الأيام والحديث يزداد ثقلاً من وراء
(منيرة) ماذا
حدث لها ؟ ما الذي أصابها ؟ كيف تبدل حالها؟ لابد
في
الأمر سر ما؟ ..وصلت الشائعات حتى مكتب (منيرة ) في
المستشفى , ممرضتان أخذتا تتبادلان حديثاً خلف باب
المكتب , ـ
(يقال أن هناك دكتورة تساهم في رفع معنويات
الأطباء والترويح عنهم
كما تسمح لهم بالزيارات الليلية
وترحب بذلك) , ـ (أوه من قال هذا
الكلام لابد أن الأمر
صحيح لأن هذا المستشفى بالذات مشهور بتفاني
أطبائه
وخدمتهم الصادقة للوظيفة ).. ــ ( أكيد السبب واضح لحب
الوظيفة).
عندها خرجت (منيرة ) غاضبة من مكتبها إلى
المنزل حيث استقلت
سيارتها الخاصة مع السائق , طلبت منه
أن يسرع إلى البيت وفور
وصولها توجهت نحو غرفة نومها
لتبكي على ذلك الفراش المخملي
وهي تقول : (كل شيء أصبح
لا يطاق , العمل ,المنزل والحياة إن
ضحكنا أصبحنا زواراً
للعبة الشائعات وإن صمتنا نسينا الآخرون ونسينا
أنفسنا ,
لم يعد للحياة طعم أو لون ما فائدة الوظيفة؟ أو الرصيد؟ أو
السيارة أو أي شيء ما دام المرء وحيداً ليس معه من
يشاركه البسمة
والمآسي ؟..حتى لحظةٍ ما نشعر فيها أنا
أدركنا ما نصبوا إليه نجد بأنا
لوحدنا لا أحد يفرح
لفرحنا وعندما تخيم الوحدة على عالمنا نبحث فلا
نجد من
يعانقنا ويواسينا في محننا)وعندما سكبت (منيرة ) تلك الدموع
الغالية حتى أغرقت الوسادة الناعمة كانت قد استسلمت
للقدر لتنهي
حياتها دون سابق تخطيط فقد أراد القدر أن
تموت الفتاة دكتورة مقهورة
وعذراء يصرخ الحب بداخلها(وضاع
العمر).
هكذا كانت نهاية (منيرة) الفتاة الرقيقة التي
كانت تتصرف بكل عفوية
وطيبة وعيبها الوحيد أنها شغلت
نفسها بالمستقبل وتعلقت بالحلم
الذي لم يتحقق
عام
1420هـ
حالة طوارئ
ساد الغرفة رقم (112) في إحدى
زوايا المستشفى حالة من السكون بعدما خلد المريض (هاني) للنوم
نتيجة لحقنة قدمتها له ممرضته (ملاك) بعد محاولات عديدة لتضميد
جراحه العميقة والتي كانت تنزف بغزارة ..كان عملاً شاقاً منذ
الصباح الباكر ..جلست(ملاك) تتأمل ذلك الهيكل النحيل على السرير
الذي أمامها شاب لم يكمل العقد الثاني من العمر يتعرض لحادث مؤلم
ليس لشيء سوى أنه حمل كتبه متوجهاً لحافلة النقل التي تصحبه
لجامعته كل صباح ..لم يكن متوقعاً أن لحظة خروجه هي نفسها اللحظة
التي يمر فيها شاب آخر بسيارته الجديدة والتي أقسم أن يقتل بها
أحداً حين راح يجربها كصاروخ أرضي ..لم تنس(ملاك) حادث الليلة
السابقة حيث لم تستطع النوم بسببه ..شاب لم يكمل العشرين في
سنوات عمره ينقل للمستشفى على هيئة أشلاء ..رأسه مقطوع..وجهه
مبهم المعالم..إحدى يديه مبتورة من الوريد..وجزء من رجليه فقد
بشرته التي تغلف عظامه..لسبب بسيط جداً أنه أراد تقديم حركة
بهلوانية بدراجته النارية وذلك لزيادة تصفيق الجمهور ..وفعلاً
صفق الجمهور ولكن بطريقة ضرب كف بأخرى حسرة على البطل الذي اصطدم
بسرعة مجنونة بعمود الكهرباء على طرف الشارع لتتبعثر أشلائه كما
لو كان دمية رخيصة..كثيرة هي الحوادث هذه الأيام وأغلب أبطالها
شاب مجنون و آخر ضحية.. في الساعة الثانية عشرة ينتهي دوام
(ملاك) ..انطلقت بسرعة نحو غرفة الممرضات ..نادت بصوتٍ عجول :
(رحمة كفاك ثرثرة فقد بدأ دوامكِ ..استلمي المريض في الغرفة
رقم(112 )سيستيقظ بعد نصف ساعة , وخرجت مسرعة نحو بوابة المستشفى
لأن (أحمد) ينتظرها منذ ربع ساعة ..ركبت السيارة لتبدأ مناقشة
على غير العادة.. ــ ما أخبار المستشفى اليوم؟ ــ أوه يا أحمد
أرجوك غير الموضوع لأني سأمت من تذكر المصائب. ــحسناً السؤال
الثاني يقول : ماذا سنتغذى اليوم؟ ــ سأُحضر أي شيء تريده. ــ
إذا توقف الأمر علي أريد أرزاً باللحم المشوي . ــ حسنناً قف عند
أقرب مطعم وأطلب الغذاء. ــ هل كل النساء يحضرن الطعام بهذه
الطريقة؟ ــ تقصد أنك تريد مني أن أطبخ الغذاء ؟ ــ لا ولو وهل
من حقي كزوج أن أطلب من زوجتي أن تذيقني شيئاً يُطبخ في المنزل؟؟
ــ أعرف إني مقصرة في حقك يا أحمد لكن .. ــ أعرف لكن ظروف العمل
..لقد حفظت هذه العبارة.. لكن ألا تدين أن اهتمامكِ بالمرضى أكثر
من اهتمامكِ بي؟؟ ــ حبيبي أحمد المرضى هم وظيفتي فهل تريد أن
أهمل عملي؟؟ ــ لا طبعاً يا حبيبتي أريد منكِ أن تهملي زوجكِ
لأنه مجرد قطعة أثاث . ــ أحمد أنت كنت موافقاً على استمراري
بالوظيفة قبل زواجنا فلماذا بدأت بتعقيد الأمور؟؟ ــ للأسف أنا
لم أعقد أمراً بل أبحث عن حل لأشعر بوجودي في البيت كرجل متزوج
ورب أسرة . ــ وماذا تقترح حلاً لمشكلتك؟؟ ــ ربما نسيتي بأنها
مشكلة كلانا ..واقتراحي هو أن تختصري الوظيفة على دوام واحد كل
يوم ليكون لي نصيب من وقتكِ الثمين.. ــ لكنك تعرف أني بحاجة
للدوام الثاني لأتمكن من أخذ علاوة تقدير . ــ فهمت.. لابد أن
العلاوة التقديرية أهم من تكوين أسرة أو حتى الحفاظ على زوج. ــ
لكن يا أحمد.. ــ أظن إن الكلمات الإضافية ستتعبكِ فدوامكِ
الثاني سيبدأ بعد ثلاث ساعات من الأفضل أن تنامي لتستعيدي نشاطكِ
أنا مدعوا على الغذاء مع أحد الأصدقاء ..مع السلامة. ألقت (ملاك)
بنفسها على أريكة في الزاوية البعيدة من الصالة الواسعة ..كانت
مرهقة جداً جراء وقوفها لساعات طويلة وتنقلها المستمر بين غرف
المرضى الجرحى وذوي الإصابات البالغة ..جلست لتنفرد بنفسها ..لقد
خرج (أحمد) غاضباً لم يفعل ذلك من قبل ..لابد قد نفذ صبره ..ربما
أهملت واجباتي اتجاهه لدرجة أني تجاهلته ..نعم لقد كنت آتي متعبة
لأبحث عن مكان يستوعبني في ذلك الفراش وهو ينتظرني ليستقبلني
بابتسامة ود منتظراً شيئاً بسيطاً يقابل هذا الصبر والاهتمام
بينما أنا لم أقدر ذلك ..اعتبرته أمراً عادياً وهو ليس كذلك فكل
ممرضات القسم يعانين من مشكلات كبيرة مع أزواجهن جراء استمرارهن
بالعمل..(رغد)تفكر بالاستقالة لتتزوج فهي تعتقد أن الزواج
والتمريض لا يتفقان و(حنان) تطلقت لرفضها أن تكون أماً فذلك
سيعيق حركتها ولتحافظ على مكانتها في المستشفى لم تستلطف التضحية
بوقتها للتفرغ لطفل تكون هي أمه ..و(رحمة) أهملت عملها واقتصرت
على دوام واحد وزوجها مازال يرفض اختلاطها بالرجال ..نعم أنا
الوحيدة التي لم أشتكي من (أحمد) لأنه كان صابراً وفي أكثر من
موقف يترقب ليلة إجازتي لنخرج معاً في نزهة على شاطئ البحر أو
للجلوس في مقهى مواجه للشاطئ ..بينما كنت أرفض متعللة بأني بحاجة
للجلوس في المنزل أو زيارة أهلي ..بينما هو في زاوية مجهولة
..لقد أخطأت بحقه ..لابد من حل يرضيه فقد شجعني ووقف بجانبي حتى
تخرجت من الجامعة وتسلمت الوظيفة ..إنه يستحق التضحية . أعلنت
عقارب الساعة تمام الثالثة ..فنهضت (ملاك) بسرعة متوجهة لجهاز
الهاتف .. ــ آلو ..مديرة القسم ..معكِ الممرضة (ملاك ماهر)أرجو
منحي إجازةً اضطرارية لثلاثة أيام لظروفي الخاصة . أغلقت خط
الهاتف تفكر أي شيء ستفعله الآن ..فقررت كتابة رسالة
ل(أحمد)..فقد توقفت عن ذلك منذ أربع سنوات ..أمسكت القلم وأرادت
أن تكتب ..لكن القلم تجمد بين أناملها الباردة حاولت ترتيب
أفكارها من جديد ..أرادت التعبير بالقلم لكنها لم تستطع أن تكتب
سوى ((حبيبي أحمد)) ..مر أكثر من نصف ساعة دون أن تكمل السطر
برغم أن بداخلها الكثير لتكتبه ..وأخيراً سقط القلم بعد أن اختنق
بين أناملها التي ما عادت تعرف التعامل مع هذه الأداة ..فقد
اعتادت أناملها على احتواء الحقنة ,المشرط أو أجهزة قياس الضغط
والحرارة . شردت بفكرها بعيداًَ لذكرياتها ..أيام الثانوية كانت
عالماً مختلف لم تكن تحب الدراسة أو تهواها بل كانت لها علاقة
وثيقة بالقلم ..كتبت الكثير, كل ما كان يخطر ببالها ترجمته بلغة
الكلمات ..مازالت تذكر تلك الهدية ..توجهت نحو غرفة نومها فتحت
ذلك الدرج الذي لم يقم بزيارته سوى غبار الزوايا منذ
أعوام..أخرجت ذلك الملف الأسود مسحت الغبار عن سطحه الأملس
..فتحته ..عندها ابتهجت مشاعرها فهي مازالت تحتفظ بشهادات
التقدير على كتاباتها الجريئة ..الكل كان يشجعها حتى قُبلت في
دراسة التمريض ..تتذكر أنها حاولت أن تجمع بين الاثنين لكن
الدراسة كانت أكثر تعقيداً من ترك مجال آخر للكتابة ..حاولت
الإفلات من قبضة الدراسة ليستمر ذلك القلم لكن الكل عارض ذلك
ليقول بصوت واحد إن الشهادة الجامعية والوظيفة ستغنيكِ عن
شهاداتٍ معدودة تقول بأنكِ كاتبة ..رضخت لرغبة المجموع وتناست
ذلك القلم وتركته وحده في زاوية بعيدة ..ليعاني ويعيش في حالة
طوارئ ..واليوم عادت تريد أن يكون مثلما تركته قلم جريء يسرد
كلمات العربية كما لو كان مبرمجاً منذ أربع سنوات ..لقد أيقنت في
اللحظة الأخيرة أنها لم تعد قادرة على التلاعب بمفردات العربية
..فقد تناست أسسها مند أربعة أعوام حين أقدمت على دراسة التمريض
باللغة الإنجليزية..فقررت أن تنسى العودة للقلم ..فمات مختنقاً
بين أناملها بعد أن عجزت عن إنقاذه بشهادتها العالية في التمريض
وخبرتها في الإسعاف . عند هذه النقطة أدركت الممرضة (ملاك) وبعد
فوات الأوان ..أن قلمها مات ..فأقسمت ألا تدع شيئاً آخر يموت
فحياتها هي أن تكون زوجة حقيقية ..ولابد أن تضحي بشيء من
أنانيتها في تحقيق ذاتها لتكون أماً بمعنى الكلمة قبل أن تبحث عن
نفسها فتجدها ضاعت بين أروقة العيادة وممراتها ..وقد تبحث عن
تضحياتها من أجل الآخرين فتجد أنها ضحت بزوجها وبيتها ..وقبل أن
تبحث عن كيانها فتجد أن أمومتها في حالة خطر وربما كانت
تحتضر..فالتضحية أياً كانت لها حدود
القرار الصعب
ظلت طوال تلك الليلة قلقةً
مضطربة المشاعر بعينين ذابلتين غارقتين في أمواج الدموع
اللامنتهية , لقد بذلت كل قواها من أجل ألا تخيب ثقة من حولها
بقدرتها على تحصيل معدل (لا يقل عن 95% )على الأقل حتى لاتخيب
أمله (هو).. لأنه وقف بجانبها عندما بدأت أول دموع الفشل في
عامها الأخير في تلك المدرسة , لقد كان يوم الامتحان الدوري
الأول وبالرغم من الجهد الذي بذلته لم تنل الدرجة الكاملة ..لقد
بكت طويلاً في ذلك اليوم وعندما رآها جرحت قلبه دموعها واقترب
منها فكفكف تلك الدموع.. وقال مشجعاً بكل ثقة: ( مهما حاولتِ يا
سارة تصنع الفشل أنا على يقين أنكِ قادرة على التفوق الذي عودتني
عليه وسأذكرك بذلك في نهاية العام).. وهاقد جاءت نهاية العام
وغداً ستستلم نتيجة ما قدمته من طاقاتها التي مازالت تشك في أنها
كافية لتحقيق الحلم الذي تتمنى وهو أن تكون "طبيبة" , ولشدة ما
ذرفت عيونها من دموع اللحظات الأخيرة قبل معرفة النهاية ..استلقت
على فراشها المخملي الكبير القابع في زاوية غرفتها الانفرادية
الواسعة .. .. خطت خطوات ملئها التردد والخوف والقلق وقطعت
طريقاً غريباً على نظراتها الشاردة مع أنها قطعت هذه الطريق
مراراً وطوال ذلك العام , وعند وصولها لبوابة المدرسة توقفت
قدماها الصغيرتين غير قادرتين على التقدم , وبصعوبة تجاوزت
المدخل إلى فناء المدرسة الداخلي حيث في إحدى زواياه جلست
معلمتها بوجهها الملائكي منتظرة كل طالبة لتسلمها إما بشرى أو
مواساة وهي عرفت أنها لن تحظى بالبشرى لأن خوفها يسيطر على نبض
قلبها وعواطفها في هذه اللحظة ..لكنها اقتربت من المعلمة وتسلمت
نتيجتها دون أن تنظر لوجه معلمتها أو توجه ولو نظرة واحدة على
تلك الورقة التي استقرت بين أناملها بعد توقيعٍ سريع مع ارتجاف
القلم, وخرجت لفناء المدرسة الخارجي ونظرت أسفل تلك الورقة
..نتيجة التقرير كانت متوقعة فلم تصل نسبتها إلا ل 90% فقط وهذا
مالم تشأ أن يحدث .. وأسدلت غطاء وجهها الأسود لتخرج عبر البوابة
الرئيسية للشارع وعينيها تتوهجان باحمرار متألق بدمعة شابة جميلة
, ولكنها بعد خروجها للشارع توقفت لحظة وبعدها غيرت وجهتها فلم
تعد قادرة على العودة للمنزل "لأنه هناك ينتظرها على أحر من جمر
ويريد أن تبشره بما يسر" وكذلك أمها ووالدها وخالتها المترقبة
على الهاتف , فكيف ستلتقي نظرتها بأعينهم وهي خيبت كل آمالهم بها
..وأخذت خطواتها تسير بلا وجهة وإلى مصير مجهول , لكنها لم تتوقف
..قطعت مسافات طويلة اجتازت بها مدينتها التي نشأت بها ..لقد
خرجت من نطاق واقعها وهي لا تستطيع التوقف عند هذه النقطة ولا
العودة من حيث جاءت فهي لن تحتمل خيبتهم بها وخصوصاً "هو" لأنه
أقربهم لنفسها وأعلمهم بمكنون خوالجها وطالما كان يساندها ..وبعد
ساعات من السير تحت لهيب الشمس التي اعتلت متوهجة بضياء ليس أقل
من حرارتها وعند الشاطئ توقفت تلك القدمان الصغيرتان وهذا هو
البحر الذي أغرمت به (سارة ) ودائماً كانت شاردة على ضفافه
..فأخذت تلك الخطوات تسير متثاقلة على رمال الشاطئ الذهبية
المشتعلة بطاقة كونية بعكس إشعاعات شمس منتصف النهار عليها ..وفي
لحظة شرود اقتربت الخطوات من مياه الشاطئ و انتاب (سارة) شعور
بأن الهرب هو الوسيلة الوحيدة للتخلص من ذلك الموقف أمام كل من
أعطاها أكبر من حجمها وماهي إلا فتاة ضعيفة لم تستطع الصمود ولا
المواجهة وفقدت التحدي حتى من أجل مستقبلها وكيانها , فكرت
قليلاً و أمواج البحر المتلاطمة تزخر في بريق عينيها الدامعتين
وتذكرت (سلوى) إنها الرفيقة التي تخلت عنها في تلك السنة
الدراسية الأخيرة بعد المشوار الطويل من الصداقة لأنها رفضت أن
تكون غير (سارة)ولم تقبل أن تتبع (الموضة ) وتتخلى عن حجابها
الإسلامي الذي اعتادت عليه بالرغم من أن معظم رفيقاتها قد اختفين
عن أنظارها في صورة فتيات سافرات , أغلبهن جميلات وهي لاتقل
جمالاً, لكن لم يعجبها لفت أنظار المارة بوجوه شابة نظرة ملئها
الأنوثة الساحرة , وهي ابنة الأصل والنسب العريق والعائلة
الملتزمة ..ولابد كان لفقدان (سلوى) أثر كبير على فكر (سارة)
الذي تكلف بالدراسة والألم , كما تراءت صورة (عبير) تلك الصديقة
المقربة وحالتها المرضية التي زادت القلق في فكر(سارة) وما هو
ذلك الفكر الصغير حتى تشحنه تلك المئات من الأفكار المتضاربة في
كل اتجاه .. وفي لحظة صمت مجهولة أخرى تراءت (عبير) من جديد
بصورتها تلك الفتاة الرشيقة الجميلة التي تمكن منها المرض حتى
أفقدها بريق عينيها , لابد أنها خسرت عاماً دراسياً من عمرها
بسبب ذلك المرض اللعين الذي هدد فكرها وصار حاجزاً أمام
استذكارها متمثلاً في شبح اسمه (فقر الدم المنجلي) مع أنها كانت
متفوقة . ومن بين شحنات متضاربة من قصص طويلة غمرت ذلك العقل
الصغير ظهرت (سامية) الفتاة المغرورة التي طالما أحبت نفسها
وفضلتها على كل شيء وفي المقابل كرهت (سارة) لا لشيء سوى أن
معلماتها يقدرن ظروفها الصعبة بعد لحظة انفراد خارج الفصل
الدراسي ثم تعود(سارة) لمقعدها لتقابل عيني(سامية)ويرتسم فيهما
الغرور والحقد ولأقل حدث سيء وجهت أصابع الاتهام نحو (سارة)
وكأنها أول شخص يستحق الشك وهذه النقطة السوداء كانت تحاصر
(سارة) في أعماقها لأنها شعرت بالظلم وكرهت أن تعامل بغير الحب
الذي وهبته لكل من حولها وبعدما أسدلت (سارة)جفنيها الناعسين
بتأوه على تلك السنة الدراسية ومصاعبها ..كانت المياه قد توسطت
جسدها الرشيق وأصبحت في وسط أمواج البحر معتقدة أنه المكان
الوحيد الذي سوف يستوعبها دون أن تلتقي عينيها بنظرة مكللة
بإحباط وخيبة أمل . وعندما فتحت تلك العينين كانت الساعة التاسعة
صباحاً لقد تأخرت على موعد ذهابها للمدرسة وهي غارقة في أحلام
خوفها على ذلك الفراش المخملي , وفور يقظتها استعدت بسرعة والخوف
يجعل سرعتها متقطعة المسافات ..وخلال عشر دقائق وقفت الفتاة
الرقيقة بلمعة من عينيها تتوسط سواد لباسها الذي يوحي لأنها
خارجة لتواجه مصيرها انطلاقاً من ذلك الشارع الذي أمامها ..وقطعت
خطوات سريعة وقد قررت أن تتقبل الواقع مهما يكن فهذه قدراتها
ولابد ألا تفقد ثقتها بذاتها لأنها حقيقةً لم تُقصر ولم تخطئ
..واستمرت خطواتها الواثقة إلى فناء المدرسة الداخلي حيث التقت
نظراتها بمعلمتها التي جلست تنتظرها في تلك الزاوية وفي هذه
اللحظة زاد خفقان القلب الصغير حتى كادت أن تفقد احتضانه تلك
الضلوع الضعيفة والتي تشف عن جسم قد أعياه التفكير وأفقده حيويته
, وببسمة صادقة تسلمت (سارة) شهادتها ..وفور ابتعادها قليلاً
نظرت لتلك الأرقام التي صارت متموجة في دمعة تلتها قطرات أخرى
ساخنة , لم تصدق (سارة) تلك النتيجة فقد وجدت ما لم تتوقعه
وعندها طوت التقرير الذي احتضنه الملف الأخضر وتوجهت نحو ذلك
التجمع من الوجوه التي لم تكن غريبة على (سارة) لقد كانت (عبير)
موجودة وهذا شيء يستدعي (سارة) لتركض نحوها لكن فور أن التقت
النظرتين تسمرت (سارة) في مكانها غير مصدقة ابتسامة (عبير)
الشفافة وهي تسرع باتجاهها لتحتضنها وتكلل ذلك العناق بدموع
الفرح عندما قالت(عبير) : (سارة لقد أثمر ما زرعتِ يا حبيبتي
ونجحت برعاية الله ومن ثم لولا وقوفكِ بجانبي لكنت ضائعة بأمواج
الدموع في هذه اللحظة ومليون مبروك نجاحكِ فقد سألت عنكِ قبل أن
أعرف نتيجة تقريري) , عندها شكرت (سارة) (عبير) وأثنت على
مشاعرها الصادقة الرقيقة و فور أن التقت نظرتها ب(سامية) انسحبت
من أحضان (عبير) وتوجهت نحو (سامية) وقالت لها بكل صدق : (
مبروك) فقد كانت ملامح (سامية) تدل على أنها نالت ما تمنت فردت
قائلة : ( لكن معدلي أعلى من معدلكِ يا سارة ) فقالت (سارة) : (
حقاً ذلك إذن "مليون مبروك"وإنشاء الله تكوني دكتورة في المستقبل
القريب ) فقالت (سامية) والدموع تلمع في عينيها : ( بعد كل تلك
المضايقات مازلتِ تتمنين لي الخير.. أرجوكِ اعذري أنانيتي
وانتهازي لحقوقك حتى البسيطة منها لأني لا أجد ما يمكن أن يرد
لكِ اعتباركِ أكثر من دموعي يا عزيزتي سارة )وبعد عناق صادق بين
الزميلتين لم تستطع (سارة) التعبير عن مشاعرها سوى بالدمعة التي
كانت تحمل بسمةً تشف عن تحقق حلم كان مستحيل , وبعد تلك اللحظات
الساحرة في حياة (سارة) توجهت مسرعة بخطوات لم تسرع بأكثر منها
والفرحة تجعلها تطير بعيداً عن خطواتها "فهو هناك ينتظرها"
..وفور دخولها المنزل أرادت تصنع عكس عواطفها لترى مفاجأتها
وأبعادها, وحسب توقعها كان واقفاً ينتظرها في ممر المدخل الرئيسي
في الحديقة وعندها اقتربت منه بوجه حزين لتقول له وهي تمد
تقريرها بين يديه اللتان خطفتا الورقة قبل وصولها : ( لكن لا
تغضب ! ) .. وفور رؤيته لذلك السطر من التقرير احتضنها بكل قواه
ليقول : 95% , هذه أختي الوحيدة التي أعرف
حتى لا تحترق الأوراق
في ذلك اليوم الصيفي جلست "ريم "
الفتاة السعودية على مكتبها الفاخر في غرفتها الكبيرة والتي لها
مكان في تلك الفيلا الضخمة .. كانت"ريم" فخورة بنسبها وعائلتها
وما تحمل من عادات وتقاليد ..كما فخرت أكبر بعنصر الجمال الرباني
الذي ورثته عن والديها مما جعلها محط أنظار الآخرين بأخلاقها
وخفة ظلها .. وتأملت"ريم " القلم الذي أمامها , انتابها رغبة
عارمة بكتابة شيء ما , فأمسكت القلم وبدأت تكتب دون سابق تفكير
أو تمهيد لذلك .. فكتب القلم الحلم الذي ترجوه مشاعرها أن
يتحقق..( أحبك .. وأنتظرك ..لكن طال غيابك مرت سنين عمري كمرور
نسمات الريح , وذبلت من سهر التفكير عيوني ..حبيبي كيف أنت ؟ ..
ماهي ملامح وجهك ؟.. يزداد شوقي لأعرف .. لكنك لا تجيب وكلما
فكرت بك أجدني في عالم آخر مختلف عن الحياة التي أمامي , تعرف
أني حلمت بك كثيراً.. لا بأس إن كنت فقيراً , المهم أنك تعمل
بأمانة وتكسب من عرق جبينك .. لا يغرك أني أعيش في قصرٍ أبداً ,
إنني بسيطة مثلك , ولو أتيت سأذهب معك حتى لو سكنا في كوخٍ خشبي
وخفنا من المطر أن يبللنا .. لاتخف فلست من تتكبر على رجولتك
لأني أحبك .. وسأظل أنتظرك) .. توقف القلم .. أعادت "ريم "
القراءة أكثر من مرة , إنها لا تصدق أنها كتبت هذه الكلمات فهي
لم تجرب يوماً لغة القلم لكنها أحبت كلماتها الأولى وظلت تقرأها
كلما وجدت أن لديها الوقت لذلك .. ..وظلت تلك الورقة على المكتب
حتى زار "ريم" والدها في غرفتها وأخذ يتكلم معها بخصوص مسؤليتها
تجاه الثانوية العامة وأبواب المدرسة على وشك أن تُفتح بالرغم من
أنه كان واثقاً من مستواها الممتاز .. وبينما هو يكلمها لمح تلك
الورقة على المكتب وأخذها ليقرأ , وعندما وقع نظره على الكلمة
الأولى وتأكد أنه خط ابنته التي يحترم ويثق بأخلاقها وقف صامتاً
للحظة ثم توجه نحو "ريم" وقال بغضب : ( أحبك .. كلمة أكبر من
عمرك يا ريم ولو تكررت مرة ثانية ما راح أسمح لك تمسكين القلم يا
محترمة و مربية , واعرفي مكانك الاجتماعي قبل ما تهزين سمعتنا يا
مثقفة .. أنا انصدمت فيكِ لأبعد الحدود ومش قادر أصدق إن بنتي
تكتب هذا الكلام ) وبعد ذلك خرج وأغلق الباب بشدة خلفه وظلت
"ريم" متفاجئة ومنصدمة لا تكاد تدرك ما يدور حولها والدموع تنساب
بحرقة على وجنتيها وكيف تحول والدها الهادئ المحب إلى شخص من
نظراته شعرت وللمرة الأولى أنه ينوي قتلها من أجل حلم وكلمة
قرأها وليست حقيقة .. هل كلمة "أحبك" جريمة بهذا المقياس .. وظلت
غيمة الحزن والألم تخيم على ملامح "ريم" لأنها تفتقد والدها حيث
تغيرت طريقة تعامله معها وأصبح فظاً غليظاً يثور لأتفه الأسباب
ويصرخ بوجهها تساءلت الأم عن السبب لكن "ريم" لم تستطع القول أن
السبب "كلمة" ولم تجب سوى بالدمع الصامت .. مرت الأيام القليلة
من العطلة الصيفية و"ريم" في أسوأ حالاتها , وذهبت للمدرسة وكان
لابد من أن تصطنع البسمة على وجهها فالجميع اعتاد عليها مبتسمة
.. ولكن "ريم" لم تعد بالمستوى السابق من التركيز والمثابرة ..
فمهما فعلت تظل صدمتها منعكسة على مشاعرها الحقيقية , وذات يوم
اقتربت "فاتن" من"ريم" لتكلمها .. لكن ذلك استأثر بنفس "ريم"
فبالرغم من الجيرة والزمالة بينها و "فاتن" لم تكن "فاتن" لتنفرد
بها بحديث أبداً .. ودار حوار اعتيادي بين الفتاتين عن الدراسة
والمعلمات .. وفي عصر ذات اليوم أتت "أم سعيد" مع ابنتها "فاتن"
لزيارة جارتها "أم ريم" ودار حديث بين الأمين أشارت فيه "أم
سعيد" إلى أن "سعيد" توظف ويرغب بالزواج و هي تبحث له عن بنت
الحلال التي تستحقه حيث أنه شاب هادئ ومثقف وله مكانته بين
الآخرين والكل يحترمه بالرغم من أن المادة تعيق رغبته بالزواج
لضخامة تكاليفه .. لكنه دكتور والمستقبل أمامه .. وبعد تلك
الأمسية جلست "ريم" مع أمها التي بينت شعورها بأن "أم سعيد "
تلمح لخطبة "ريم" وتخشى الرفض من أجل الموقع الاجتماعي حيث أن
"ريم" تنتمي لعائلة ذات نفوذ و"سعيد" من عائلة متوسطة .. لكن
"ريم" قطعت كلام أمها قائلة : (آسفة يا أمي .. لكن اعرفي أن كلنا
بشر من تراب وراجعين للتراب وعمر المال ما كان سبب تفرقة بين
الناس وإذا سعيد يبيني وهو إلي اختارني أنا موافقة .. حتى لو عشت
معاه في غرفة صغيرة في منزلهم الحالي) فقالت الأم مستغربة : ( يا
بنتي إلي يسمعك يقول إنك تبي تطلعي من البيت بأي طريقة وكأن
حياتنا حمل ثقيل عليكِ وكمان مش راضية تصارحيني وش بينك وبين
أبوكِ أنا أمك يا ريم وتهمني مصلحتك).. فقالت "ريم" : ( أنا ما
ودي أتعبك معايا يا أمي .. وإذا سعيد تقدم رسمي قولي لأبوي أني
موافقة ) .. كانت "ريم" تحلم أن تغير روتين حياتها بأي طريقة
لأنها سأمت المنزل الكبير والحياة المرفهة والعادات والتقاليد
التي كانت سبباً في تحطيم مكانتها في نظر والدها من أجل "كلمة"
هي الحلم الذي تمنت وليس الواقع المر الذي يقول إنها أحبت رجلاً
لا يمت لها بأي صلة ..فهي أكبر من ذلك بكثير .. وفي ذلك المساء
بالذات جافا الرقاد عيون "ريم" وظلت ساهرة تفكر بالمصير الذي
ينتظرها و تساءلت : ( هل حقاً سعيد سيطلبني للزواج .. إنه ابن
الجيران الذي لم أره يوماً وكيف لي أن أوافق بهذه السرعة وما
يدريني كيف طبعه وهل سأروق له أم لا ؟؟ وهل يمكنني أن أتكيف مع
حياة أقل رفاهية من حياتي .. يعني ما أشتري كل ما يعجبني ولا
تتنفذ كل طلباتي .. أظن أن الموضوع أصعب مما كنت أتصور ..لكنه
دكتور يعني يقدر يأمن لي أحلى حياة ومش مهم كيف راح نبدا المهم
كيف ننتهي ) ولكن"ريم" في النهاية قررت أن تدع الحكم لوالديها
فموافقتهم تعني الخيار الصحيح .. وأمسكت القلم وفكرت أن تكتب
وللمرة الثانية دون خوف فكتبت .. ( شردت بفكري لأبعد الحدود
لأحيا في جنة حبك عندما تعود .. لكن ظل الانتظار هاجسي الذي لا
يفارقني لحظة واحدة .. أشعر أنك قريب جداً .. لكني سريعاً أنكر
ذلك الإحساس وأتجاهله .. لا أعرف إن كنت أحبك أم لا , لكني عندما
نطقتها أو بالأصح كتبتها فاجأني القدر بما لم أتوقع .. جريمتي
أني قلت أحبك .. فهلا أتيت لتثبت براءتي وتحفظ حقوقي ؟ .. أعرف
أن رجولتك مميزة وسوف تحميني من القدر ولن تسمح لأحدٍ أن يبكيني
ولو لحظة .. نعم لدي العلم السابق بروعتك وشموخك .. لكن ما يزيد
لوعتي وحرماني أنك لم تأتي لأسقيك من ينبوع حبي ولم تأتي ليأويك
صدري .. وتحتضنك ضلوعي .. ولماذا لم تأتي لأنسيك العالم وتغرق في
حنان قلبي .. لكن مازال لي أمل أن تأتي وسأنتظرك حتى لو توقفت
عقارب الساعة عن الدوران وفاضت بالماء الغدران ..أنا على يقين
أنك ستأتي .. فأرجوك ليحتضن قلبك قلبي ) .. وتوقف القلم لتترك
"ريم" مكتبها حتى تنام على فراشها الواسع الناعم وتغرق في
أحلامها الوردية بحياة أكثر روعة مما ترى فهي بالرغم من إغراء
الماديات تحب المرح والعفوية وتكره الروتين والقيود .. ويأتي يوم
آخر مليء بالمفاجآت حيث تقدم "سعيد" لخطبة "ريم" بكل ثقة مرفوع
الرأس متفاخراً بشهادة الدكتوراه .. فلم يجد "والد ريم" عيباً في
هذا الشاب الطموح المتزن والذي ينتمي لعائلة محافظة على العادات
والتقاليد .. لكنه لم يكن ليوافق بهذه السرعة فابنته الوحيدة
أغلى من هذا الرد وعلل أنه لابد من مشاورة البنت والجميع قدر ذلك
فموضوع الزواج غالباً ما يأخذ كثيراً من الوقت .. وفي تلك الليلة
عم منزل"ريم " سحابة من الفرح والسرور فهاهي كبرت وعلى وشك
الزواج من الدكتور "سعيد" .. وعندما سوئلت "ريم" عن الرد قالت
بخجل : ( الرأي لوالدي .. وإذا كان موافق ما أقدر أرفض ) ثم
أسرعت لغرفتها .. وأغلقت الباب وظلت حائرة هل حقاً ستتزوج من
الدكتور"سعيد" وظل سؤال يقطن فكرها : (لكني لم أرى صورته بعد )
فذهبت سريعاً لأمها وسألت عن الصورة لكنها أخبرتها أنها عند
والدها فترجتها "ريم" أن تحضرها لتراها .. وبعد إصرار عنيف
استسلمت الأم لرغبة ابنتها وطلبت الصورة من الوالد فشكرت "ريم"
والدتها وأخذت الصورة وذهبت مسرعة لغرفتها .. وظلت تتأمل ملامح
الرجل القاطن في الصورة وبدا وسيماً من النظرة الأولى .. وعندها
أمسكت القلم وكتبت.. ( أخيراً أتيت ولبيت رجائي .. لقد كنت واثقة
من شجاعتك يا حبيبي .. إن ملامحك أجمل من حلمي .. ولكم أنا فخورة
بك , وفي هذه اللحظة أتمنى لو أسمع صوتك .. ربما تجدني أكثر
طمعاً بك لكن لا تتملكك الغرابة بذلك , فأنت شيء عظيم بالنسبة
لي.. وأنا أكتب لك بالرغم من كل شيء جميع ألوان مشاعري .. لتعرف
كم أحببتك قبل أن أراك أو أعرفك وكم سأحبك أكثر لو عرفتك .. ربما
كرست حياتي الماضية لأحلم بك وسأقضيها على حساب راحتك وسعادتك ..
وسأفعل ما بوسعي لأرضيك فأدعو الله أن يوفقني لذلك
.. ومرت الأيام سعيدة ومليئة
بالمفاجآت وتمت حفلة خطوبة "ريم" في الأسبوع الثاني من الرد
بالموافقة .. وكانت صعبة لحظة التقت نظرات "سعيد" بعيني "ريم "
العسليتين .. لكنها لحظات .. سرعان ما مرت وبدأت الحوارات الجادة
والتخطيط للحياة القادمة مع كلمات مكللة بالحب والاشتياق كما كان
لتشجيع"سعيد" أثر في حصول "ريم" على نسبة عالية بدرجة الامتياز..
ومرت الأيام سريعة كما الحلم وانتهت فترة الخطوبة وجاء موعد حفل
الزفاف .. والانتقال للقفص الذهبي .. حيث كانت هدية "والد ريم"
لابنته فيلا مؤثثة على أحدث طراز .. وتمت مراسيم حفل الزفاف الذي
كان في أكبر صالة أفراح في المدينة بالإضافة للفخامة و التقنية
الملحوظة حتى في نوعية الإضاءة وأقبلت "ريم" بفستان الزفاف
الأبيض الذي صمم خصيصاً من أجلها وبدت كما عصفورة فاتنة لفتت
أنظار الكل بجمالها ورقة ملامحها .. لكنها سرعان ما اختفت لتُزف
للدكتور"سعيد" الذي كان ينتظرها ليصطحبها للفيلا حيث سيقضيان
أسعد لحظات شهر العسل .. وماهي إلا لحظات وصارت العروس في غرفة
النوم مع زوجها الذي ظل منتظراً هذه الليلة منذ زمن بعيد
..قال"سعيد": ( حبيبتي ريم تعرفي إن الليلة هي ليلة كنت أحلم
فيها من فترة بعيدة ) فقالت"ريم": (لازم تحلم فيها وإلا ما
استاهل أكون الي تحول الحلم حقيقة) فقال"سعيد" : ( لا يا حياتي
أنتي حققتي لي شي أكبر من الحلم .. معقولة كل هذا الجمال وتبيني
ما أوهبك عمري هدية من دون مقابل .. بصراحة أنا أحبك حب غير
اعتيادي لأني ما جربت الحب مع غيرك والدراسة كانت سارقة كل وقتي
.. لكن الليلة لازم تكون تاريخية بحياتنا أنا وأنتِ ولا عاد تخبي
عني شي نفسك فيه لأني أكيد ما راح أرفض) فقالت"ريم" : (طيب يا
حبيبي الأول والأخير خليك عارف إن علاقتنا مش زواج وبس إحنا
صديقين وحبيبين ولازم ما يكون بينا أسرار حتى لو كانت صغيرة) ..
وبعد ساعتين من الكلام رفعت"ريم" خصلات شعرها الذهبي بعد أن بدلت
ملابسها فحملها "سعيد" للسرير وأطفأ الأنوار لتبدو الغرفة
رومانسية بإضاءة زوايا الغرفة بأنوار صغيرة على شكل شموع ..
وبطلوع الفجر انتهت ليلة غرقت في أحاديث الحب وقبلات المحبة وغير
ذلك مما كان لابد أن يكون بين الزوجين العاشقين.. ومرت أيام
سعيدة مليئة بالحب والتفاهم و الثقة وانتهى شهر العسل سريعاً
وعاد "سعيد" لعمله بالعيادة وظلت "ريم" تخطط لمفاجأة سارة عند
عودة "سعيد" من عمله ..لكنها دخلت غرفة النوم ترتبها وبعد ذلك
فتحت خزانة الملابس حيث كانت تخبئ صندوق الموسيقى وبداخله تلك
الرسائل التي كانت تكتبها .. وعندها أمسكت القلم من جديد لتكتب
.. ( حبيبي وزوجي .. مر شهر على زواجنا وما زلت أشعر وأنا معك
كأني عروس اللحظة لقد حققت أحلامي التي أتمنى ومازلت تسعى لتنفيذ
كل ما أحب .. أعجز عن شكرك وأموت في حبك .. كنت ومازلت أكتب لك
لكنك لم تقرأ شيئاً مما كتبت وذلك لأن الكتابة تخيفني خاصة إن
كانت تحكي شيئاً من أحلامي أو مشاعري .. لكني سأعبر عن مكنون
أعماقي لك في كلمات بسيطة أرجو أن تنال استحسانك بالرغم من أنك
لن تقرأها .. أحببتك عندما اخضرت براعمي وزاد حبي عندما رأيتك
وتفتحت وردة عمري .. و انتشر أريج حبي عندما اجتمعت بك في منزل
واحد .. وانصهرت كما تنصهر الشموع عندما نمت وتحت مسامعي نبض
قلبك .. وطرت عندما غمرتني بلطفك وحنانك طرت لخارج حدود الواقع
كما عصفورة حلقت للسماء وتاهت في الفضاء ولم تعد تعلم طريق
العودة هكذا أنا ضعت في سماء حبك يا حبيبي ) وأضافت "ريم" ما
كتبته للأوراق داخل الصندوق .. وأخفته مرة أخرى .. ثم استمرت في
واجباتها وترتيب الفيلا وأعدت ل"سعيد" ألذ أصناف الطعام التي يحب
حيث كانت طاهية ماهرة .. وملأت بركة السباحة بالماء البارد وجهزت
ملابسه قربها وعندما اقترب موعد وصوله لبست أجمل ملابسها ورتبت
خصلات شعرها بالشكل الذي يفضله زوجها وتعطرت بالعطر الذي يروق له
.. وفور وصوله كانت باستقباله بابتسامة أخاذة .. ساحرة .. وجذابة
, فلم يتمالك روية ذلك الجمال دون التعبير فضمها لصدره بقوة ..
وبعد ذلك أسرعت "ريم" وأحضرت له المنشفة وقالت: (حبيبي كل شي
جاهز تفضل استحم بسرعة عشان تتغذى) فقال بابتسامة : (طيب يا عمري
.. على أمرك) .. و على مائدة الطعام كانت "ريم" تقدم الأكل بيدها
ل"سعيد" وتقول : ( لازم ما تعب نفسك .. أنت لسا راجع من الشغل
تعبان وبعد الأكل تفضل نام لك ساعة ، لأني جهزت لك ملابس النوم
والغرفة باردة .. عشان بنظف الصحون وأرتب البيت بهدوء ولا تحاول
تزعجني لكن إذا احتجت شي أزعجني شسوي .. أمري لله) ..فقال"سعيد"
: ( كل هذا عشاني أكيد أنا بحلم .. لو أدري إني بعيش كذا كان
تزوجتك من زمان ) .. ومرت الأيام في سعادة غامرة وفي يوم من
الأيام رتبت "ريم" غرفة النوم وأشعلت شمعة لتنشر رائحة عطرية في
الغرفة كما هو الحال في كل يوم .. وبينما هي في المطبخ تعد
الطعام وتفكر أنها ستقدم الصندوق كمفاجأة ل"سعيد" بعد قدومه
وصلتها رائحة دخان فأسرعت لتكتشف أن النار بدأت تنتشر في غرفة
النوم .. عندها تذكرت الصندوق لكنها اتصلت برقم مركز الإطفاء ..
ثم لم تحتمل الوقوف صامتة وعندما وجدت منفذاً للدخول فكرت أن
تخرج الصندوق حتى لا يحترق ما بداخله وفور أن دخلت ووصلت للصندوق
وأرادت الخروج كانت النار قد أغلقت المخرج وصارت "ريم" وسط النار
لا تعرف إلى أين تتجه وشعرت أن مصيرها الموت حرقاً لكنها تعرف أن
هذا موعد وصول "سعيد" بالإضافة لأنها اتصلت بمركز الإطفاء ..
لكنها أمسكت القلم في لحظة يأس حينما أحاطتها النيران و كتبت: (
حبيبي .. لقد أردت أن أحافظ على الهدية التي سأقدمها لك لكن
النار لم تكن لتحافظ علي وأنت تأخرت عن موعد وصولك , فأرجوك
احتفظ بالصندوق واقرأ ما كتبت لك ).. وبعد لحظات وصل "سعيد"
وتفاجأ بالنار وصار يبحث عن "ريم" كالمجنون وانتابه شعور غريب
فأخذ يسرع باتجاه غرفة النوم وصرخ بصوتٍ عالِ: (ريم هل أنتِ
هنا؟) ..فأجابه صوت خفيف بكلمة : (سعيد) .. عندها حمل السجادة
التي يقف عليها ورمى بها فوق النار حتى خمد جزء منها وتوجه نحو
"ريم" التي كانت محصورة في زاوية صغيرة وهي تحتضن الصندوق وقد
فقدت وعيها .. وحمل "سعيد" حبيبته وأخرجها من وسط النار وقلبه
يوشك على التوقف خوفاً أن تكون فارقت الحياة .. ونقلت "ريم"
للمستشفى بعد أن وصلت سيارة الإطفاء وخمد الحريق وظل "سعيد"
واقفاً ومذهولاًمن شدة الصدمة لا يعرف ماذا يفعل لكنه تأمل
الصندوق مستغرباً لما كانت "ريم" تحتضنه وسط النار , واعتقد أنه
صندوق مجوهراتها لكن عندما فتحه وقرأ ما بداخله لم يتمالك
مشاعر"ريم" الرقيقة التي جعلتها تضحي بحياتها من أجل كلمات
كتبتها له ولم تشأ أن لا يقرأها .. وفي هذه اللحظة أقسم "سعيد"
أن يضحي بكل شيء من أجل حبه .. فأسرع للمستشفى وطمأنه الطبيب أن
حالت "ريم" في تحسن ولحسن الحظ كانت إصابتها من الدرجة الأولى
وفور تحسنها بعد عدة أيام اصطحبها "سعيد" للفيلا وأخذ إجازة
اضطرارية ليقوم على رعاية حبيبته وزوجته .. وبعد ذلك الحادث صار
"سعيد" كلما ترك "ريم" في المنزل وحدها عند ذهابه للعمل يتصل بها
كل ساعة ليطمئن عليها كما صار يشجع كتاباتها الرقيقة فصارت تكتب
بجرأة مشاعرها له فقط دون غيره لأنه بالنسبة لها يقابل العالم
كله .. وهو أصبح يقدر معنى ما تكتب لأنها ضحت بكل شيء حتى لا
تحترق الأوراق
نسخة معدلة

يقول
لها: أحبكِ قدمت لأجلك مالم أقدمه لأخرى وأعطيتك أولويات
وامتيازات حلمت بها الأخريات
تقول له: أحببتك وقدمت لك كل ما يرفضه
العقل لترضى فما رضيت فحملت حقائب سفري ورحلت من قلبك تركت لك
صور التي أحبتك وسعت لإرضاء غرورك فما أستطاعت!
|
|
|
|
ورحلت عازمة خلق نسخة أخرى غير التي عنده في إطار
صورة عتيق وهي مقتنعة تماما أنه يحب أخرى يروق له مظهرها
وجوهرها وتعلم أنه لم يجعلها يوما على رأس القائمة ربما
اعتبرها بديلا عن غائبة تناست موعدها معه ذات مساء كانت
بلهاء وغبية كانت تغمض عينها عن الحقائق وصرخات عقلها
الباطن وترى بمنظورها حبا خيالي واليوم خلعت نظارات
الحب ورأته بعيدا كل البعد فقررت الرحيل مع البدء من
جديد ومن الصفر |
|
|
|
|
استوقفها قائلا: أنادمة أنت على ما
كنت؟؟!
أجابته : بل رغبة في بدايات مدروسة سأكون أخرى
لا تحمل حقائبها لترحل بائسة ذات مساء كما أفعل
الآن!
|
|
|
|
|
|
وتحولت هي لنسخة معدلة ظاهرياً .. ربما
استطاعت تغيير ملامح الجسد
وبقيت الأعماق تشتعل
بلهيب ذكرى صاخبة لا يهدف لمرحلة
خمود
هكذا هي نهايات العواطف التي تبنى
بلا أعمدة!
جريمة الحب أحياناً الصدق وأحياناً
الكذب.. وأحياناً أخرى جريمته أنه وجد
مسكين هذا المكون من
حرفين في وقوفي هنا لم ينصفه
أحد! |
|
|
|
|
|
حينما ينشغل الرجل
تشرق الشمس
غير آبهة بعيون نائمة قبالة النافذة المشرعة الستائر.. تتسلل
إشعاعات الصباح.. وتحاول مشاكسة تلك العيون العسلية.. وتمتد
أنامل المخمل لتزيح شيئاً من خصلات الليل الأسود.. وتستيقظ (
راجية ).. تنهض بتثاقل.. تقف وقدماها تبحثان عن مخبأهما الفرو
لتقاومان برودة الأرض المصقولة.. وخطوات صغيرة ومياه باردة تغسل
النوم لبدء وجه جديد وإزالة غبار الأمس عن وجه الحالمة.. وروتين
كل يوم عالم من مستحضرات التجميل والعطور .. وتستفيق عيناها
تتأملان المرآة.. وصوت مغرور.. - مازلت الأجمل.. برائحة القرنفل
كم أنا رائعة! وماذا بعد.. مشوار مستبد إلى مكتب العمل.. أوراق
كثيرة متناثرة.. ومكتب يستغيث الملل.. كلمات كل يوم: - مالها هذه
الزميلة مهملة؟! لا تحبذ البعثرة دقائق معدودة تحول المكان لنظام
الساعة..وتجلس متأملة .. وتنتفض فجأة قائلة: - مازال ينقص المكان
ما هو أهم.. كيف نسيتي يا راجية؟! وتخرج من حقيبتها زجاجة عطر
وتحول المكتب لحديقة فل.. وماذا أيضاً .. لا تكتب بأقلام الحبر
ولا أوراقها بيضاء كسائر الكل..تقتني ريش نعام فاخر وزجاجات حبر
فاخرة.. وأوراق ملونة بالعطر.. وفي زوايا مكتبها شمعدانات تشتعل
بعبير النرجس.. ويفتح الباب بلا ترو .. فتنظر للقادم بنظرة
تأنيب..لكن الصوت يجيب: - هذه أنا يا راجية أعتذر تأخرت
الحافلة.. وكما تعلمين.. .. وتقطع الاستماع بكلمات تكتنزها
الذاكرة: - نعم يا علياء أعلم أنك تصطحبين بناتكِ لمدارسهن كل
صباح.. - ما أروع المكان بكِ يا راجيه .. ماذا كنت لولا وجودك
معي .. تبددين سأم العمل.. وتصنعين عالماً مختلف.. ليتني املك
معشار روحك.. لابد سعيد بكِ ذلك الرجل! - أي رجل تقصدين.. ذاك
المسافر .. لابد يحسده الكثيرون .. حين أكون من ينتظره وفي يدي
باقة ورد تنوي الانتحار والذبول! - ما أصعب تفكيركِ ولست ادري
لما تتطلعين؟ - أتطلع للاستقرار والنوم بلا تفكير - أي استقرار
آخر تقصدين .. هل لأنه مسافر, لكنه دعاكِ لمرافقته ودائماً
ترفضين! - ماذا افعل يا علياء حين يذهب مشغولاً ولا يعود سوى
سويعات ليل مرهقة .. ماذا أفعل طوال النهار سوى التنقل بين
صالونات التجميل وشرب قهوتي الصباحية في زاوية منزوية والتسوق
بلا نهاية.. حياته متعبة.. وزميلتكِ تريد أن تعيش حياتها طولاً
بعرض وأشياء أخرى أخفيها في صندوق رأسي المسكين - فعلا يا راجيه
صعبة حياتك برغم أنها صاخبة.. لأكون منصفة أتمنى يوماً من حياتك
لأكون حرة .. طليقة بلا رجل يقيد تصرفاتي ولا أطفال تزعج
لحظاتي.. ولكن الهدوء الطويل مؤرق والوحدة أشد تعذيباً من
الازدحام. - هي كذلك .. ورجل يقدم الحب جارفاً فقط وفقط حين يكون
بلا انشغال.. وماذا لو كان جل وقته كفاح وكل ساعاته أوراق
عمل؟..وكأن زوجته تمثال أو ربما مصنوعة من القش أو لوحة على
الجدار.. لا أنكر أنه يتصل كل ساعة ويترك رسائل شوق ووعود عشق..
ولكن بي أشياء أخرى لا تكف عن الاستغاثة وإلى متى! تدير
((راجية)) كرسيها لتقابل شاشة الحاسوب متصفحة مستجدات العمل..
ورسائل الجمهور وقصاصات بريدية بحاجة لقراءة وتنسيق وطباعة
ونشر.. وتبتسم- مازال لديه أمل .. يرسل آلاف
رسائل الحب بلا هوادة ولا تفكير.. وكأنه يعلم بأمر الفراغ الذي
يسكنها..ويبدد كينونتها المغلفة بابتسامة.. وتتجاهل قراءته وتكمل
عملها.. وحين تنتهي من عملها.. تعتبرها وقفة لإرضاء غرورها ..
أنوثتها.. وربما لصورته التي لا يكف يرسلها مع كل رسالة.. روتين
تعودت قراءته قبل مغادرة مكتبها.. لمنزلها الذي أطلقت عليه
مصطلح مستودع
الملل..
حرر في 20-2-2006
جيل الدجيتال
جلست مرام على كرسيها الهزاز في
تلك الحديقة المعددة الزوايا ..تتأمل أصيص الأزهار التي اشترتها
مؤخراً..فالعناية بالنباتات المنزلية أصبحت أولى اهتماماتها
بعيداً عن تربية الأولاد .. بعد أن تركت (علاء)يراجع دروسه في
غرفته الخاصة و(ولاء)كانت تستذكر موادها الدراسية بصحبة صديقتها
(ليلى).. حيث أن (مرام) عودت أطفالها على الاستذكار يومياً قبل
أن يسدل الليل أستاره.. تملل علاء من تصفح كتاب الرياضيات للصف
الثالث الابتدائي..بعد أن أتم كتابة واجباته فرمى بكتابه بعيداً
لينزوي في أحد أطراف الطاولة التي تبعثرت عليها كتب أخرى.. وقام
بحماس لتشغيل جهاز ال(play station) لأن ال(CD) الذي اشتراه
مؤخراً يحتاج لوقت طويل حتى يصل لنهايته حيث أن الحل الكامل
للعبة لم يصل للأسواق بعد.. وفي ظل ذلك الانتظار سيبحث عن حل
بنفسه. (ولاء)كانت مستاءة جداً وتشكي لصديقتها كيف أن حلقة الأمس
من المسلسل المدبلج الذي تعرضه إحدى الفضائيات فاتها بسبب إصرار
والدتها على متابعة برنامج ثقافي, فأخذت (ليلى)تسرد ل
(ولاء)أحداث حلقة الأمس وكيف كان لقاء البطل بالبطلة غاية في
الرومانسية والحرارة لينقلب جو الاستذكار لمشهدٍ تمثيلي بين
فتاتين في ربيعهما الثاني عشر ..حيث نقلة نوعية من الطفولة
للشباب وحيث فضول رهيب لاكتشاف ما وراء الأستار. دخلت مرام صالة
المنزل تتفقد الأمور قبل أن تستعد لتحضير وجبة العشاء.. فلم يكن
سوى الهدوء, فاتصلت ب(عادل) بغية الاطمئنان عليه حيث أنه يسافر
مؤقتاً لمقر عمله في مدينة أخرى تبعد عدة كيلومترات فلا يعود
لمنزله إلا نهاية الأسبوع. - أهلا عادل .. ما هي أخبارك؟ - الحمد
لله الأمور في أحسن حال, كيف أنتِ والأولاد ودراستهم؟ - الأولاد
بخير ويبلغونك تحياتهم وأشواقهم. - سأعود نهار الأربعاء هذا
الأسبوع فليس هناك اجتماع مهم. - تصل بالسلامة يا أبا علاء..
فبيتك بحاجة لك .. نراك على خير - مع السلامة - رافقتك السلامة.
تنطوي الأيام كمرور سحابة وينتهي شهر دراسي ويحين موعد نتائج
الاختبارات الفصلية..كانت درجات (علاء)في مادة الرياضيات والعلوم
متدنية بسبب سهره بغير علم والدته أمام شاشة التلفاز لمتابعة
لعبته المفضلة..ففقد التركيز أثناء شرح المدرس نظراً لنعاسه
المتكرر .. لكن درجات (ولاء)جاءت كالصاعقة حيث أنه من الواضح
جداً أنها لم تتصفح حتى كتبها .. ولأول مرة في حياتها الدراسية..
لفت انتباه مرام هذا الوضع الخطير فلاحظت أن تربيتها الأولية لم
تكن كافية وأن الأولاد بحاجة لمزيد من الاهتمام والمراقبة فثمة
أمور تحدث من وراء ظهرها
واغتصبها بقيمة
قطعة حلوى
ساقان صغيران وخطوات بريئة ..
خرجت من المنزل تنوي شراء الحلوى .. لمحها من بعيد فاقترب
بابتسامة خبيثة .. وعدها بأن يضاعف لها مصروفها لو رافقته في
نزهة لمكان قريب.. طفلة لم تتجاوز السادسة .. قبلت العرض دون أن
تعلم ما تخفيه هذه الخطوات القليلة من مصير مجهول..مشت وخطواتها
تعترف برقتها وإنسانيتها ومشى ممسكاً بيدها بكل معنى الانحلال
الأخلاقي .. مشى والرذيلة ظله الأبدي .. استرق اللحظات بعيداً في
العتمة .. اغتصب البراءة مقابل قيمة قطعة حلوى رخيصة .. أذاب كل
ذرة من القيم خلف ذلك الزقاق المظلم.. بكت تلك الطفلة ألماً ..
لكنها لم تدري أنها فقدت أغلى ما تملك .. بكت مستعطفة إياه ما
عدت أريد الحلوى .. دعنى أذهب لأمي .. حين أفرغ شحنات إبليس من
أعماق غريزة الشيطان بداخله .. تركها تعود باكية لأمها بساقين
ملطختين بالدم .. وبيدها قيمة قطعة حلوى!.. كانت تلك الطفلة
مذهولة ومندهشة .. مصدومة وتتألم .. لم تخبر أحداً بحكايتها ..
خافت أن يضربها الكبار .. أو ربما هددها بشيء مخيف!.. ظلت صامتة
تحت شعار تعثرت في الطريق ..حتى مرت الأعوام وسرها شظايا تتكسر
في قلبها كل مساء .. أعوام قليلة فقط وذلك المخلوق يتزوج وينشئ
عائلة ..الكل يعتبره رجلاً .. لا أحد يعلم باطنه الأسود.. هو
اختفى ذلك اليوم عن أعين البشر.. لكنه لم يدري أن فوقه من لا
يغفل ولا يهمل .. من يدري أي بنت تحمل اسمه تتحمل الضريبة ..
إنما القدر دائرة .. فاحذر يا ابن آدم أن تصيبك دوائر القدر ..
لكن تلك الشابة.. أي مصير ينتظرها وأي قانون ينصفها .. هذا ما
تبقى من السؤال؟
--------
هذه قطرة من واقع
لا نعلم خباياه
مع
شدة الألم دعواتي الصادقة بغدٍ أفضل
تم تحريره
يوم الاثنين 28ربيع الأول للعام 1425الساعة 2:30صباحاً
|